نشأة التفسير السياسي للإسلام في الهند


أما في الهند فقد كانت عوامل ظهور التفسير السياسي للإسلام أكثر وأقوى، فقد كان المسلمون هناك على اتصال وثيق بالفكر الغربي وتحدياته بسبب الاحتلال البريطاني الطويل الأمد لبلادهم، خاصة بعد فشل ثورتهم، وتمكُّن الإنكليز من القضاء على الحكم الإسلامي في الهند (1857م)، فنشأت عدَّة جماعات وتوجهات لمقاومة الاحتلال وإصلاح أحوال المسلمين والنهوض بهم من كبوتهم، وكان رأي العلماء ضرورة الاستمرار في الدعوة والتعليم، وتخريج الفقهاء والقضاة والدعاة للمحافظة على دين المسلمين، ومواجهة مخططات الإنكليز في تدمير هويتهم وكيانهم، وتمثلت تلك الجهود في أربع اتجاهات كبرى:

1- علماء الحنفية والصوفية، حيث أسسوا جامعة دار العلوم في ديوبند (1866م).

2- علماء أهل الحديث، ولهم مآثر عظيمة في الجهاد والدعوة والإصلاح ومواجهة الحركات الهدامة من خلال جامعاتهم ومدارسهم ومجلاتهم ومؤلفاتهم الكثيرة، وتأخروا في تأسيس جمعية باسمهم إلى سنة (1324هـ/1906م).

3- جامعة عليكرة الإسلامية، تأسست عام (1895م) على يد سيد أحمد خان (ت: 1898م)، الذي كان يرى الإصلاح بالأخذ بالمنهج التعليمي الحديث، وكان عقلانيًّا، عصرانيًّا، تغريبيًّا، مواليًا للإنكليز([1]).

4- ندوة العلماء في لكهنؤ (1893م)، وهي تمثل اتجاهًا وسطًا بين الديوبندية والعصرانية.

 وهذه الاتجاهات كانت تتدخل في الشأن السياسي والاجتماعي، لكنها لم تكن تتبنَّى السياسية فكرًا ومنهجًا وهدفًا لها. هنا نجد أن المودودي (1321-1399هـ/1903-1979م)، قد خالف تلك الاتجاهات كلها، وبدأ بتأسيس منهج ودعوة جديدة تحتل السياسة وأهدافها المكانة المركزية فيها. وكما كان ظهور حسن البنا من خارج المنظومة الفقهية والعلمية في مصر، فقد كان ظهور المودودي في الهند من خارجها أيضًا، حيث لم يدرس على العلماء، ولا تخرج من جامعاتهم، فقد علَّمه والده في البيت، ولم يكمل الدراسة النظامية، بل اعتمد على مواهبه الشخصية فتعلم اللغة الإنكليزية وعمل صحفيًّا، ومن خلال الصحافة انخرط في الشأن العام والعمل السياسي، وتوَّج ذلك بتأسيس «الجماعة الإسلامية» سنة (1941م)([2]).

كان المودوديُّ من أبرز الآخذين عن الفيلسوف والشاعر محمد إقبال، والمتأثرين بفكره ودعوته، وكان يقول: «كان بيني وبين إقبال انسجام كبيرٌ في الآراء»، لهذا كان إقبالُ - نفسه - يُثني على مؤلفات المودوديِّ ويوصي بها، ولما توفِّي كتب المودوديُّ في مجلته: «ترجمان القرآن»: «لقد كان إقبال بالنسبة لي أكبر عونٍ لي، ولكن قد سُلبَ منِّي ذلك العون رحمه الله وطيَّب ثراه، وحين أنظر إلى استطاعتي أجدُها قد تلاشتْ!»([3]).

إعجاب المودودي بإقبال، واعترافه بالانسجام الكبير بينهما في الآراء؛ يكشف لنا أحد أهم أسباب تكوُّن نظرية التفسير السياسي عنده، فقد كان إقبال من أبرز المتأثرين بدعوة سيد أحمد خان، ودعوة ابن صفدر، وبفكر الفلاسفة القدماء والمحدثين في نظرتهم للدين والتاريخ والحضارة.

لقد كان إقبال يمتدح سيد أحمد خان، ويسلكه في عداد المصلحين، لكنه يقدِّم عليه ابنَ صفدر ويصفه بالمجدِّد، فيقول عنه: «هو المؤسس الحقيقي لمشروع آمال المسلمين، ونشأتهم الثانية في هذا العصر، فإذا لم يكن هناك شعب من الشعوب قد لقَّبه بالمجدِّد، أو أن الأفغاني نفسه لم يدَّع بأنه مجدد، فإن ذلك لا يُبعده عن كونه مجددًا في نظر أهل البصيرة والدراية»([4])،

أخذ محمد إقبال الفلسفةَ عن المستشرق الإنكليزي توماس أرنولد (1864-1930م) في كلية لاهور، وأشرف هذا المستشرقُ الفيلسوفُ على تربيته على منهاج الفلسفة، وتوثَّقت بينهما أواصر الصداقة، واستحكمت روابط الألفة، ثم قصد إنكلترا، والتحق بجامعة كمبردج ونال منها شهادة في الفلسفة والأخلاق، ثم قصد ألمانيا، ودرس في جامعة ميونخ، ونال منها درجة الدكتوراه في الفلسفة. يجمع إقبال في منهجه الفكري عن الإسلام بين التصوف والفلسفة والعقلانية والمادية، وله في ذلك ضلالات كبيرة، وثَّق جانبًا منها الأستاذ عادل التَّل في كتابه: «النزعة المادية في العالم الإسلامي»([5]).

بدراسة أولية لفكر محمد إقبال نجد عنده أصول التفسير الفلسفي للدين، وهي الأصول المؤسِّسة للتفسير السياسي للإسلام.

 يقول إقبال - وهو يتحدَّث عن طبيعة العالم الذي نعيش فيه كما صوَّره القرآن، والغاية من الخَلْق -: «لقد قُدِّرَ على الإنسان أن يُشاركَ في أعمق رغبات العالم الذي يحيط به، وأن يكيِّف مصيرَ نفسه ومصير العالم كذلك؛ تارةً: بتهيئة نفسه لقوى الكون، وتارةً أخرى: ببذل ما في وُسعه لتسخير هذه القوى لأغراضه ومراميه. وفي هذا المنهج من التغيُّر التقدُّمي لا يكون الله في عون المرء إلا على شريطة أن يبدأ هو بتغيير ما في نفسه: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [الرعد: 11]، فإذا لم ينهض الإنسانُ إلى العمل، ولم يبعث ما في أعماق كيانه من غنًى، وكفَّ عن الشُّعور بباعثٍ من نفسه إلى حياةٍ أرقَى؛ أصبحتْ روحه جامدة جمود الحجر، وهوى إلى حضيض المادَّة الميتة..»([6]).

قلتُ: هذا هو التفسير الماديُّ النفعيُّ للدِّين ومقاصده، ومن رجع إلى كتب التفسير تبيَّن له بطلان استدلاله بالآية، فهي لا تدلُّ على مراده من قريبٍ ولا من بعيدٍ.

ويقتربُ إقبال في نظرته إلى النبوة والبعث والجنة والنار من فلسفة ابن سينا؛ فهو يرى أن النبي بعد اتِّصاله بالعالم العلوي: «يعود ليشقَّ طريقه في موكب الزمان ابتغاء التحكم في ضبط قوى التاريخ وتوجيهها على نحو ينشئ به عالمًا من المُثُل العليا جديدًا. فمقام الشهود عند الصوفي غاية تقصد لذاتها، لكنه عند النبي يقظة لما في أعماقه من قوى سيكلوجية تهزُّ الكون هزًّا، وقد قُدِّر لها أن تغيِّر نظام العالم الإنساني تغييرًا تامًّا. ورغبةُ النبيِّ في أن يرى رياضتَه الدينيةَ قد تحولَّت إلى قوى عالمية حية؛ رغبة تعلو على كل شيء، ولهذا كانت رجعته ضربًا من الامتحان العملي لقيمة رياضته الدينية،.. ولهذا كان من بين ما يُحكم به على قيمة دعوة النبي ورسالته؛ البحثُ في نوع الرجولة التي ابتدعها، والفحصُ عن العالم الثقافي الذي انبعث عن روح دعوته»([7]).

هذه الفكرة الفلسفية التي تناقض العقيدة الإسلامية في أصل النبوة ورسالتها؛ سنجد أثرها في فكر تلميذه المودودي عند غاية النبوة وآثارها.

ويزعم إقبال أن: «الجنة والنار حالتان لا مكانان، ووصفهما في القرآن تصوير حسيٌّ لأمر نفسانيٍّ، أي لصفة أو حال»، ويزعم أن الجنة والنار مرحلة وتجربة: «فالحياة واحدة ومتصلة، والإنسان يسير قدمًا فيتلقى على الدوام نورًا جديدًا من الحقِّ غير المتناهي،.. لأن كل فعلٍ لنفس حرة يخلق موقفًا جديدًا، وبذلك يتيح فرصًا جديدة تتجلى فيها قدرته على الإيجاد»([8]).

لا أريد هنا مناقشة هذه العقيدة، فهي ظاهرة البطلان، مخالفة لصريح القرآن والسنة وإجماع الأمة؛ لكنها خير شاهد على النزعة المادية عند إقبال في تعظيم الإنسان، وجعل غايته في الإنجاز الحضاري، وجعل النبوة وسيلة لذلك([9]).

إلى هنا؛ نكون قد عرفنا أن نشأة التفسير السياسي للإسلام في مصر والهند ترجع في جذورها إلى الاتجاه الفكري الذي ظهر في العالم الإسلامي على يد ابن صفدر وسيد أحمد خان وأمثالهما نتيجة الاحتكاك بالفكر الغربي وحضارته، والتعرض لتحديات الاستعمار وقوته وثقافته المتغلبة. وهو فكر مزيج من الفلسفة الإغريقية والفلسفة المنتسبة إلى الإسلام والفلسفة الغربية الحديثة، مع محاولة التوفيق بينها وبين المنهج الإسلامي واعتقادات المسلمين. من المؤكد أن هذا التفسير لم يكن بهذا الوضوح والجلاء كما نجده اليوم في فكر الحركات الإسلامية وممارساتها. فقد تبلور وتكامل وتطور نتيجة تراكمات وتجارب ووقائع تمتدُّ لأكثر من قرن من الزمان، فلا نظنُّ أن ابن صفدر كان يتصور أن فلسفته في تفسير الدين ستؤسِّس لجماعات المغالبة السياسية والغلو وتكفير المجتمعات والتطرف والعنف والإرهاب!

الهوامش:

([1]) للاطلاع على جملة من انحرافاته وضلالاته في أصول الدين راجع: «أثر الفكر الغربي في انحراف المجتمع المسلم في شبه القارة الهندية»، رسالة دكتوراه لخادم حسين إلهي بخش، جامعة أم القرى بمكة المكرمة: 1405، ص: 283-289.

([2]) راجع ما ذكره الشيخ محمد يوسف البنوري (ت: 1397) في مقدمة رسالته: «الأستاذ المودودي وشيء من حياته وأفكاره» اسطنبول: 1422.

([3]) نقله خليل الرحمن عبد الرحمن في: «محمد إقبال وموقفه من الحضارة الغربية»، رسالة دكتوراه من كلية الشريعة والدراسات الإسلامية، جامعة أم القرى، مكة المكرمة: 1404، ص: 93، 317.

([4]) كلامه هذا وثناءه على أحمد خان في «تأثير فكر الأفغاني في فلسفة إقبال» للدكتور محمد أمان صافي، الفاروق الحديثة للطباعة والنشر، القاهرة: 1416، ص: 14-18. وهذا الكتاب مفيد في إثبات العلاقة بين فكر الرجلين، وإن كان فيه إعجاب بهما وثناء عليهما بما لا يستحقانه.

([5]) دار البينة، بيروت: 1415، ص: 279-296..

([6]) «تجديد التفكير الدِّيني في الإسلام»، ترجمة: عباس محمود، دار الهداية، القاهرة، الطبعة الثانية: 1421، ص 18-21.

([7]) «تجديد التفكير الدِّيني في الإسلام» 147-148.

([8]) «تجديد التفكير الدِّيني في الإسلام» 145-146.

([9]) راجع استعراض رأي إقبال في النبوة والآخرة في «الفكر الإسلامي الحديث وصلته بالاستعمار الغربي» للدكتور محمد البهي، مكتبة وهبة، القاهرة: ط 4/1964م، ص: 416-480، و«محمد إقبال وموقفه من الحضارة الغربية» 169-175، و184-188. وقد أوهنا نقدهما له بتلطف بالغ لا يناسب خطورة انحرافه في هذين الأصلين العظيمين.

جميع الحقوق محفوظة لدى موقع دراسات تفسير الإسلام ©
تنفيذ مؤسسة المفهرس لتقنية المعلومات