التبيان لحقيقة (الخيط الناظم في كتاب الله) في مقال السَّكران


التبيان لحقيقة (الخيط الناظم في كتاب الله) في مقال السَّكران

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إله الأولين والآخرين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله المبعوث رحمة للعالمين، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين.

(الخيط الناظم في كتاب الله) عنوان مقال للكاتب إبراهيم السكران ـ هداه الله وأصلحه ـ، نُشر أولاً في موقع: (رؤى فكرية) [23/11/1432]، وسرعان ما تناقلته المواقع والمنتتديات، وحظي باهتمام القراء؛ مما يدلُّ على عِظَم حاجة الناس إلى الخطاب الديني والإيماني، في زمن استحكمت فيه المادية وحب الدنيا، وصار التذكير الخالص بالحقِّ الخالص لرب الأرض والسماوات؛ أعزَّ من الكبريت الأحمر! لهذا فإنِّي أقدِّر أن هذا المقال نتاج صفاء روحي، وحال إيمانية، وثمرة ساعة ارتباط بكتاب الله عزَّ وجلَّ، فجاء مشحونًا بالآيات الكريمة، منبِّهًا على حقائق إيمانية كبرى، هي عند أهل التوحيد والإيمان من المسلَّمات الواضحات، لكننا في هذا العصر أحوج ما نكون للكتابة عنها وكأنَّنا في صدد اكتشاف خطير، لهذا وددتُ لو أنَّ الكاتبَ كان أكثر صراحة ووضوحًا في ثمرة مقاله والمراد منه، ولم يختمه بكلام مجمل يعود بالقارئ إلى تلك البِنْيَةِ العَقْدِيَّة والفكرية التي يفترض أن المقال كُتب لإخراجه منها، وإبعاده عن تأثيرها. ومن هنا أحببتُ المشاركة بشيء من البيان والتوضيح، ومن الله تعالى استمدُّ العون والتوفيق.

لعل أنسب ما أبدأ به تبياني هذا اقتباسٌ من بحثٍ آخر للكاتب إبراهيم السكران، نشره قبل نحو أربع سنوات بعنوان: (مآلات الخطاب المدني)، وأفرد فيه مبحثًا عن (وظيفة الإنسان) قال فيه:

(ما هي وظيفة الإنسان؟ هذا هو السؤال/المدخل الذي تعود إليه الاختلافات الجوهرية للاتجاهات الفكرية, وهناك اتجاهان رئيسيان في الجواب على هذا السؤال:

أولهما هو “الاتجاه المدني”: ويرى أن وظيفة خلق الإنسان هي “العمارة”، وكل ما سوى ذلك وسيلة لها, فالوحي والشرائع والعبادات إنما هي وسائل لتحقيق العمارة والحضارة والمدنية, فالعمارة هي الغاية الجوهرية والأولوية الرئيسية للإنسان, وانبنى على ذلك أن اشتغل هذا الخطاب بقضية التمدن وتوجيه كافة المعطيات الأخرى إليها والتسامح في كل ما سواها, ومن ثم تقييم المجتمعات والثقافات والشخصيات بحسب منزلتها في هذه “المدنية” الدنيوية. و”المدنية” بحسب هذا الاتجاه مفهوم شامل يدخل فيها كل ما يدفع باتجاه تحقيق الرفاه البشري وسعادة الجنس الإنساني في كافة ميادين الحياة الدنيوية, والتقدم في العلوم الفلسفية والإنسانية والطبيعية والفنون, ونحوها.

أما الاتجاه الثاني وهو “الاتجاه الشرعي” فيرى أن وظيفة الإنسان هي “العبودية” بمعنى أن الله خلق الإنسان وأرسل الرسل وأنزل الكتب لتدل الناس على الله وعبادته, وبيان دقائق ما ينبغي له سبحانه وما لا ينبغي في معاملته جل وعلا, وبيان قواعد تنظيم حقوق العباد, وأن كل ما في هذه الدنيا إنما هو متاع ولعب ولهو, فيجب أن يستعان بما يحتاج منها على عبودية الله, وكل ما لم يعن على عبودية الله ولم يؤد إلى هذا الغرض فهو دائر بين مرتبتين لا ثالث لهما: إما محرم يجب الكف عنه، وإما فضول يشرع الزهد فيه.

فالعمارة والحضارة والمدنية مجرد وسيلة لإظهار الدين وإقامة الشعائر والشرائع, فلا يحمد من هذه المدنية إلا ما حقق هذه الغاية،…) إلى أن قال: (والحقيقة أن كتاب الله سبحانه وتعالى لم يجعل هذه القضية عائمة أو محتملة أو نسبية, بل حسمها بشكل يقيني واضح صريح وكشف الغاية من خلق الإنسان بلغة حاصرة فقال سبحانه وتعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56]، وبيَّن سبحانه أنه إنما بدأ خلق الإنسان في هذه الدنيا ثم بعثه بعد موته ليحاسبه على هذه الغاية وهي القيام بالعبودية كما قال سبحانه: {إِنَّهُ يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ} [يونس: 4]، وفي كثير من المواضع ينبه سبحانه وتعالى بيْنَ ثنايا الآيات على أن وظيفة الخلق وغايته إنما هي ابتلاء الناس في هذه العبودية كما قال سبحانه: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} [الملك: 2]. وحسن العمل في هذه الآية ونظائرها هو الإيمان والعمل الصالح على حسب درجاته الشرعية, ولو كانت عمارة الأرض بالحضارة والتمدن والعلوم الدنيوية هي المقصود الأولوي بحسن العمل لما أرسل الله الرسل في التاريخ البشري أصلاً, لأن الله سبحانه قد أثبت تميز تلك الأمم أصلاً في عمارة الأرض وعمق علمها بالدنيا, كما قال تعالى عن الأمم السابقة: {كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا} [الروم: 9]. وقال عن علمهم المدني: {يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [الروم: 7]. وبيَّن سبحانه وتعالى وظيفة النبوات والكتب السماوية والشرائع وأنها كلها تهدف لتأكيد عبادة الله والاستعداد للحياة المستقبلية بعد الموت, وليست المنافسة العالمية في المدنية والحضارة الدنيوية, كما قال تعالى عن وظيفة الرسل: {ولَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ}… الآية [النحل: 36]. وذكر سبحانه السؤال الإلهي عن تحقيق هذه الغاية فقال سبحانه: {يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي وينذرونكم لقاء يومكم هذا} [الأنعام:130]. وقال سبحانه مبينًا وظيفة الشرائع: {ومَا أُمِرُوا إلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ} [البينة: 5]. وغير ذلك كثير من محكمات الوحي التي كشفت بشكل حاسم غاية خلق الإنسان, والذي يعنينا هاهنا ذكر بعض الشواهد لا استقراؤها) انتهى.

قال أبو مَسْلَمة عفا الله عنه: هذا تقرير جيِّد موفَّق، كتبه الباحث في سياق الردِّ على العلمانيِّين والليبراليِّين الذين لا يزنون الأشياء إلا بميزان النفع المادي، وصدق في ذلك، فهم طُلاب الدنيا، وعبَّاد المادة، وما قامت الحضارة الغربية المعاصرة إلا على هذا التصور، لكن أهلها اختلفوا في موقفهم من الدين، فبعضهم بالغ في الإلحاد والعداء للدين وجعل محاربته همَّه ومقصده، وهؤلاء متطرفو العلمانيين، أو أصحاب العلمانية المتطرفة ـ كما يسميهم الدكتور يوسف القرضاوي ـ، وآخرون منهم نظروا إلى الدين بأنه نتاج فكر إنساني، فهو جزء من الحضارة البشرية، ويمكن أن يسهم في خدمة الحياة المدنية وتوجيه قيمها وضبط سلوكها الأخلاقي. وليس من عجبٍ أن تجد أوروبيًّا ملحدًا يمتدح ـ في آن واحدٍ ـ اليهودية والنصرانية والإسلام والأديان الوثنية، ويذكر محاسنها وتأثيرها الخيِّر على الفرد والمجتمع.

لا أعتقد أن الاتجاه العلماني الصريح ـ الذي يفسر الدين تفسيرًا نفعيًّا ماديًّا ـ يشكِّل خطرًا على عقيدة المسلمين ودينهم، بل الخطر الحقيقي يكمن في الفكر الحركي الإسلامي المتأثر تأثرًا بالغًا وعميقًا بذلك الاتجاه المادي والنفعي، ممَّا انعكس على الخطاب الحركي، ونظرته إلى حقيقة العبودية لله عز وجل، وإلى كليات الدين ومقاصده، وما يجب أن يسيطر على عقل المسلم ويوجِّه همَّه في تناول قضايا السياسة والمجتمع وسائر شؤون الحياة.

وبما أن الفكر الحركي يصطبغ بصبغة إسلامية، ويمتزج بالخطاب الديني مستشهدًا بالآيات والأحاديث، ويتناول قضايا هي محطُّ عناية واهتمام أهل الإسلام؛ كقضية تحكيم الشريعة وإصلاح المجتمع؛ فإن تلك النزعة المادية، وذلك التفسير النفعي للدين وحقائقه؛ أصبح دقيقًا غامضًا، مغلَّفًا بالدعوة إلى تحكيم الشريعة ونصرة الدين والتمكين له، فصار بذلك مثل الرِّياء الذي ورد في وصفه بأنَّه: «أخفى من دبيب النملة السوداء، على الصخرة الصماء، في الليلة الظلماء»، ورغم ذلك فهو شديد الخطورة، بالغ الفتك، لهذا كان أخوف ما يخاف رسول الله صلى الله عليه وسلم على أمَّته هو: «الشرك الأصغر: الرياء» [صحيح الترغيب والترهيب: (32)]، فحُقَّ لنا أن يكون التفسير المادي والسياسي للإسلام، الذي هو الوجه الخفي للفكر الحركي؛ أشدَّ ما نخافه ونخشاه، لهذا نبذل جهدنا في الكشف عن خيوطه الخفية، وإشهاره وفضحه، والتحذير من دقائقه ومداخله، أكثر من صنيعنا مع العلمانية والليبرالية، وأسوتنا في ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي خرج على أصحابه وهم يتذاكرون المسيح الدجال ـ وهو الشرُّ الظاهر الجليُّ مثل العلمانية والليبرالية ـ فقال صلى الله عليه وسلم: «ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال؟»، قالوا: بلى يا رسول الله! فقال: «الشرك الخفيُّ: أن يقوم الرجل فيصلي فيزين صلاته لما يرى من نظر رجلٍ». [صحيح الترغيب والترهيب: (30)]. فإذا كان الانحراف في جزئية دقيقة من إرادة الإنسان أثناء الصلاة من الشرك الخفي؛ أفليس من الشرك الخفيِّ أن يتحدث المفكر والداعية والمثقف المسلم عن العبادة، ثم يفسِّرها ـ بغموض وتدليس وتلبيس ـ بأنها: «إعمار الأرض وإقامة المجتمع الفاضل»، فإذا جاء إلى العبادات المحضة ـ التي من أجلها خلق الله الخلق، وأرسل الرسل، وأنزل الكتب، وأقام سوق الجنة والنار ـ بَثَّ في الوعي الباطن للمتلقين عنه بأنها وسائل تدريبية، وتمارين رياضية، يراد بها تهيئة الإنسان وربطه بمشروع إعمار الأرض!

سأكتفي هنا باقتباسٍ واحدٍ من أحد أشهر كتب المودوديِّ ـ تجاوز الله عنَّا وعنه ـ، وهو مكوِّنٌ أساسي لعقلية الشباب المسلم في أجيال متعاقبة، وقد ترجم إلى أكثر من ثلاثين لغة عالمية، ألا وهو كتاب «مبادئ الإسلام»، حيث تمكَّن فيه المودودي ـ بذكائه وعبقريته ـ أن يبُثَّ التفسير السياسي والمادي للإسلام في ثنايا عرضه لمبادئ الإسلام ومقاصده الكلية، وتمكَّن ـ بهدوء، وبكلام طويل متناسق ـ أن يغرزَ في ذهن القارئ أن المقصد من الدين، والغاية من العبادة تنحصر في: توجيه الإنسان لإعمار الأرض وفق المشروع الإلهي. وقد أدرك أن هذا التفسير الماديَّ للدين يُفقد أركان الإسلام وأصول العبادات أهميتها، ويجرِّدها من قيمتها الحقيقية، ويقضي على مركزيَّتها في الخطاب الديني، فاستدرك قائلاً ـ وهو يتكلم عن العبودية وأركان الإسلام ـ: «وجملة القول: أن خوفك لله تعالى في كل شأن من شؤون حياتك، وفي كل حين من أحيانك، وجعلك مرضاة الله نصبَ عينيك، واتباعك لقانونه، ورفضك لكل منفعة تنالها أو يمكن أن تنالها بمعصيته، وصبرك على كل مضرة تصيبك أو يمكن أن تصيبك بطاعته، ذلك كله من عبادتك لله تعالى، وحياتك بهذا الطريق من أولها إلى آخرها عبادة، وليس الأكل والشرب والنوم واليقظة والقعود والقيام والمشي والكلام والسكوت إلا من العبادة في حياة كهذه. هذه هي العبادة وهذا هو معناها الحقيقي. وما غرض الإسلام إلا أن يجعل الإنسان يعبد الله مثل هذه العبادة في كل حين من أحيانه، وقد افترض عليه لهذا الغرض مجموعةً من العبادات تُهيِّئُهُ لهذه العبادة الكبيرة، فكأنه ليست هذه العبادات المفروضة إلا بمثابة التربية للعبادة الكبيرة المنشودة. فكل من يتلقى هذه التربية على أحسن وجه، يؤدي العبادة الحقيقية على الوجه المراد. ومن أجل ذلك جعلت هذه العبادات عين الفريضة في الإسلام، وقيل إنها أركان الدين، أي دعائمه التي يقوم عليها بناؤه. فكما أن كل بناء لا يقوم إلا على مجموعة من الدعائم، كذلك لا يقوم بناء الحياة الإسلامية إلا على هذه الدعائم. فمن هدمها، فقد هدم بناء الإسلام نفسه».

قال أبو مسلمة عفا الله عنه: فانظر كيف جرَّد المودودي أركانَ الإسلام ـ التي هي أصول العبادات المحضة المقصودة لذاتها ـ من أهمِّيتها الذاتية، وجعل أهميتها ومكانتها معلولة بكونها سببًا ووسيلةً إلى ما سماه بالعبادة الكبرى المنشودة، وهي ـ عنده ـ إعمار الأرض وفق المشروع الإلهي، لهذا عُني هو ـ ومن أخذ عنه، وتأثر به، مثل الكاتب الشهير سيد قطب تجاوز الله عنَّا وعنه ـ بمسألة تحكيم الشريعة، وصارت (الحاكمية) هي القضية المركزية في الخطاب الحركي، باعتبارها المرجعية الوحيدة لمشروع إعمار الأرض وإقامة المدينة الفاضلة، وهو الغاية القصوى، والحقيقة الكبرى من الوحي والنبوة والرسالة! وفَرْقٌ بين اهتمام العلماء الربانيِّين بتحكيم الشريعة من منطلق أنه من أحكام الدين وواجباته، فالقيام بها طاعة، والتفريط فيها معصية، وبين اهتمام المفكرين الإسلاميين من منطلق أنه المرجعية التشريعية لمشروع إعمار الأرض، إزاءَ المرجعية الماركسية والرأسمالية وغيرهما.

إن انحراف الفكر الحركي في تفسير الدين ومقاصده فيه دقةٌ وغموضٌ، لهذا لم يتنبَّه له ويدرك خطورته ـ فيما علمتُ ـ إلا رجلان بارعان، هما: المفكر الهندي الكبير وحيد الدين خان أحسن الله خاتمته، والعلامة الشيخ أبو الحسن الندوي رحمه الله، ويجمع بين الرجلين سعة الاطلاع، وتنوع الثفاقة، والمعرفة التامة بالأفكار والفلسفات الغربية، فألَّف الأول كتابه الكبير: «خطأ في تفسير الدين»، ثم لخَّصه في رسالة: «التفسير السياسي للدين»، وأصدر الثاني كتاب: «التفسير السياسي للإسلام». وقد عرَّفتُ بكتاب الندوي، ونوَّهت بعمله في مقالات سابقة بعنوان: «فتنة ولا أبا الحسن لها!»؛ فأغنى ذلك عن الإعادة والإطالة.

قال أبو مَسْلَمة عفا الله عنه: فلنذكر الآن ما وعدنا به من التبيان لحقيقة (الخيط الناظم في كتاب الله):

1- ينبغي التقيُّد عند الكلام في مسائل الديانة بألفاظ الكتاب والسنة وبما جرى على ألسنة السلف الصالح وأئمة الإسلام السابقين، فبالعناية بها وبمعانيها واستعمالاتها في نصوص الشريعة ولغة العرب وفهم أهل القرون الأولى؛ نَعرفُ (مرادَ الله منَّا) على الوجه الصحيح، لا بالفكر والاستنتاج واستعمال الأساليب والمصطلحات العصرية، وقد بحثتُ عن عبارة: (عمارة النفوس) في آلاف الكتب الشرعية ـ من خلال خدمة البحث اللفطي في برنامج: (المكتبة الشاملة)، وبرنامج: (جوامع الكلم) ـ فكانت النتيجة صفرًا!

2- قال الكاتب السكران: (ثمة خيط ناظم يربط كل هذه القضايا… تتعدد الموضوعات في القرآن لكن هذا الخيط الناظم هو هو.. هذه القضية التي يدور حولها القرآن ويربط كل شيء بها هي: عمارة النفوس بالله).

قال أبو مَسْلَمة: جميع ما ذكره الباحث في مقاله الطويل شواهدُ وشروحٌ لما قرَّره هنا، وهو في الجملة تقرير جيد مستحسن، لكن لا بدَّ من ضبطه وتجلية حقيقته، حتى لا يؤدي إلى مفاهيم باطلة، فما عدَّه الباحث خيطًا ناظمًا، وقضية كبرى يدور حولها القرآن: يمكن أن يفسَّر على أكثر من وجه، ويستغلَّ لأكثر من غاية، أعني: (عمارة النفوس بالله):

(أ) فالذي يفهمه أهل التديُّن والإيمان الصحيح من (عمارة النفوس بالله) أنَّ المقصود بتلك (العمارة) تهيئة النفوس وتربيتها وتهذيبها حتَّى تقوم بما يجب عليها من العبادة الخالصة لله ربِّ العالمين، وأهم ذلك وأعظمه: إقامة أركان الإسلام من الصلاة والصيام والزكاة والحج، فهي ذكر ودعاء وقصد وتوجُّه وتذلل بالمحبة والخوف والرجاء للمعبود بحقٍّ سبحانه وتعالى. إنها عبادات خالصة مقصودة لذاتها، وحقٌّ واجب للخالق الأعظم، وليست وسائل لإعمار الأرض وإصلاح المجتمع، ومن أراد بها ذلك، أو فسَّرها به؛ فعبادته مغشوشة، ودينه منكوس.

نعم؛ في إقامة العبودية الخالصة لله تعالى من النتائج والثمار والآثار الطيبة على الفرد والمجتمع ما يكون سببًا لإعمار الأرض وإصلاح المجتمع، وقد يتحقَّق ذلك وقد يتخلَّف، وهي مقصودة تبعًا ونتيجةً، لا أصالةً ومقدمةً.

(ب) أما أصحاب الفكر الحركي، ومن تخرَّج من محاضنهم، أو تأثر بهم: فيفهمون من (عمارة النفوس بالله) أنَّ المقصود بتلك (العمارة) تهيئة النفوس وتربيتها وتهذيبها لتنهض بإعمار الأرض وبناء المدينة الفاضلة، وتسارع إلى الثورة والتغيير. وهو ما عبَّر عنه داعية الإسلام النَّفعي عمرو خالد بمشروعه: (التنمية بالإيمان)، و: (التنمية بالحجِّ)، وصرَّح في بعض محاضراته أنه يتوجَّه بذلك إلى المسلمين والنصارى على حدٍّ سواء «فليس عنده تفرقة» كما قال، فالإيمان عنده: «أعظم حاجة موجودة في وجدان شعوب المنطقة، والموروث الحضاري عندهم اسمه: الإيمان» ـ كما نقلته عنه موثقًا في مقال: «القرضاوي والتلميذ العاق».

3- الجناح المتديِّن من الحركيِّين يُولِي ـ بحكم النشأة والبيئة ـ أهمية بالغة للعبادات وأحكام الشريعة باعتبارها وسائل ودورات تدريبيَّة وتمارين رياضية لتوجيه النفوس ودفعها إلى العمل والعطاء لإعمار الأرض وفق منهج الله، وإنقاذ البشرية من التيه والضياع، بينما يرى الجناحُ الآخرُ الرقيقُ تديُّنُه أن التركيز على تلك الجوانب فيه تضييع للوقت والجهد، فلا بدَّ من الاكتفاء بالإسلام المجمل كمرجعية فكرية ومنهج كلي للحياة، لهذا لا يخوضون في مفصَّل الاعتقاد ويترخَّصون في أحكام الشريعة، ويتتبعون الفتاوى الشاذة التي يرونها أنسب للواقع. فهؤلاء فيهم شبهٌ بالمعتزلة، والطائفة الأولى فيهم شبه بالخوارج، على أنَّ الخوارج والمعتزلة لم يتلوَّثوا بالتفسير السياسي والمادي للإسلام!

4- الآيات الكريمة التي ساقها الكاتب للاستدلال على مبدأ (عمارة النفوس بالله)؛ لا تخلو من أحد أمرين:

(أ) إما أن تكون تلك العمارة بمعنى العبادة نفسها، فهي عمارة بإقامة العبودية لله عزَّ وجلَّ، فالمحبة والخوف والرجاء والتوكل والاستعانة والاستغاثة والتقوى والإخلاص والنية وغير ذلك من أعمال القلوب، وكذلك الذكر والدعاء وقراءة القرآن، والصلاة والصيام،… كلها عمارةٌ للنفوس والألسنة والجوارح بعبادات خالصةٍ، هي أعلى وأغلى المقاصد والغايات.

(ب) وإما أن تكون تلك العمارة وسيلة لشيء آخر، وهو شيء واحدٌ ووحيد: إقامة العبودية لله تعالى، فهي المقصد الأعلى، والغاية الأسمى، والحقيقة الكبرى المنشودة. وقد بيَّن الله تعالى في مواضع كثيرة من كتابه أنَّ ما شرعه من العبادات الخالصة أو من الأعمال الصالحة، بل حتى فيما يجريه من الابتلاءات بإرادته وحكمته؛ إنما يُراد بها الترقِّي إلى درجة أعلى في العبودية والقصد والتوجُّه والتذلل بين يديه سبحانه، فقال فيما ابتلى بني إسرائيل من الآيات والأحوال: {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}، وقال عزَّ وجلَّ في تشريع القصاص والصيام: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} ـ والشكرُ والتقوى من أعلى مراتب العبودية ـ، وغير ذلك من الآيات الكثيرة التي ساقها الكاتب، فكان لا بدَّ من التنبيه عند استعراضها على هذا المعنى، وعدم الاكتفاء بذلك المعنى المجمل: (عمارة النفوس بالله).

5- نعم؛ أحسن الكاتب ووُفِّق في قوله: (ولكن للأسف جاءتنا خطابات دعوية مادية، أرهقتها مواجهةُ التغريب؛ فانكسرتْ، وتشربت ثقافةَ الخصم ذاته، وصارت منهمكةً في تذكير الناس بالدنيا، وجعلت التبع هو الآخرة). وفي قوله: (شاهد كيف يربي النبي صلى الله عليه وسلم في نفوس أصحابه التعلق بالمسجد، وقارنه ببعض المنتسبين للدعوة الذي صاروا يعلقون الناس بما هو خارج المسجد! صاروا من الزاهدين في سكينة المساجد، المولعين بصخب الدنيا…) انتهى كلام الكاتب، وقد كدتُ أن أكتفي بهذا التصريح، وأستغني به عن التعقيب والتبيان، لكنِّي وجدته لم يسلم من تأثير التفسير الحركي للدين؛ فختم مقاله بما يفهم منه أن: (عمارة النفوس بالإيمان) يراد منها تهيئة النفوس للعمل والثورة والحركة من أجل النهضة والحضارة والمدنية، فقال مرةً: «لو قدَّم اليوم بعض الدعاة نصيحة للثوار على الحكومات العربية الفاسدة بأن يكثروا من (ذكر الله) لعدَّ كثير من المستغربين ذلك دروشة وسذاجة! برغم أن موسى يجعل ذكر الله مظلةً لمهمته الكبرى، والله جل جلاله يؤكد عليهما بأن لا يفترا عن الذكر.. فما أكثر الشواهد المعاصرة على غُربة مفاهيم القرآن، وبعد كثير من شباب المسلمين عنها إلا من وفق الله..». وقال مرةً أخرى: «وهل يشك من قارن بين مطالب القرآن، والكتب الفكرية المعاصرة التي تتحدث عن النهضة والتقدم؛ أننا لا زلنا بعيدين عن النهضة والحضارة بحجم بعد هذه الكتب الفكرية النهضوية عن أهداف وغايات ومطالب القرآن.. بالله عليك هل رأيت كتاباً فكرياً نهضوياً ينطلق في نظريته للنهضة من (آيات التمكين والاستخلاف)؟…».

قال أبو مَسلَمةَ عفا الله عنه: لا ينبغي لداعٍ إلى الله على هدى الكتاب والسنة أن يختم مقاله بكلام مجمل، بل لا بدَّ أن يحدِّد (مراده) بوضوح وجلاء:

(أ) فإن كان (مراده) أن (عمارة النفوس بالله) وسيلة إلى (النهضة والتقدَّم والثورة)؛ فليفصح عن ذلك بلا تدليس ولا غموض.

(ب) وإن كان (مراده) أن (عمارة النفوس بالله) أي: بالعبودية الخالصة لله عز وجل بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والذكر والدعاء وقراءة القرآن والأعمال الصالحة المقترنة بنية القصد والتقرب إلى الله؛ هي (الخيط الناظم في كتاب الله)، وهي الغاية الكبرى والمقصد الأساس من الوحي والنبوة والرسالة والخلق والجنة والنار؛ فليجرِّد له قلمه، وليرفع به صوته، وليتقِّ كلَّ لفظٍ أو معنًى يَذهب بصفائه وبهائه وجلائه الذي نقرأه في كتاب الله عزَّ وجلَّ: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ} [الذاريات: 56-58]؛ فتأمَّل كيف حصر الغاية أولاً في عبادته وحده، ثم نصَّ على تكفُّله برزقهم، حتَّى لا يلتبس على أحدٍ منهم أن الرِّزق ـ الذي به قوام حياتهم ووجودهم ـ ينبغي أن يكون غايتهم وهمَّهم.

وذكر الله تعالى في موضع آخر أنَّه لم يأمرهم إلا بما يحقِّق الغاية التي خلقهم لها، فقال تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} [البينة: 5].

فإذا تقرَّر هذا ورسخ في النفوس؛ فلا مانع من التنبيه على ثمار وبركات ومحاسن إقامة العبودية لله عز وجلَّ، ففيها إصلاح الفرد والمجتمع، والحياة الطيبة، والخير والطمأنينة، والعدل والأمن والرخاء، كما قال ربنا سبحانه: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [الأعراف: 96]، وهو ما ذكَّر به رسول الله نوحٌ صلى الله عليه وسلم قومَه، فقال لهم: {اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا * مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا} [نوح: 10-13].

أما إشارة الكاتب المجملة إلى (آيات التمكين والاستخلاف)؛ فذلك مما يدندن حوله الحركيون، ويخوضون في تفسيره وفق نظريتهم التي شرحناها، ولتفصيل القول في معاني تلك الآيات ودلائلها موضع آخر، لكني أكتفي بالإشارة إلى أن كلام الله صريح في إضافة (التمكين) إليه سبحانه، فهو من خصائص تصرفه في الكون، ولم يكلِّف الله عباده بما لا يطيقون، ولا أمرهم بما يشغلهم عن الغاية التي خلقوا لأجلها؛ فإن وقع قدرًا فالواجب على أهله القيام بوظيفة العبودية لله تعالى حصرًا: {الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ} [الحج: 41].

كذلك (الاستخلاف) أمرٌ قدريٌّ محضٌ، وهو من بركات إقامة العبودية لله عز وجلَّ، فالواجب على أهله المداومة على ما هم عليه من القيام بمراد الله تعالى الذي خلقهم لأجله: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [النور: 55]. فعمارة النفوس بالله لا يراد بها نيل الاستخلاف في الأرض، ولكن الاستخلاف من بركات تلك العمارة؛ فضلاً من الله على عباده الصالحين المتقين، والحمد لله ربِّ العالمين.

كتبه:

أبو مَسْلَمة عبد الحق التركماني

بريطانيا: الثلاثاء 27/11/1432هـ – 25/10/2011م

جميع الحقوق محفوظة لدى موقع دراسات تفسير الإسلام ©
تنفيذ مؤسسة المفهرس لتقنية المعلومات