الفرق بين العبادة والطاعة


العبادة والطاعة ليستا مترادفتين، بل بينهما جملة من الفروق التي تقتضي التمييز بينهما تجنبًا للمعاني الفاسدة، واللوازم الباطلة.

والطاعة هي الانقياد، كما قال ابن فارس: «طوع: الطاء والواو والعين أصل صحيح واحد يدل على الإصحاب والانقياد، يقال: طاعه يطوعه؛ إذا انقاد معه ومضى لأمره. وأطاعه؛ بمعنى: طاع له. ويقال لمن وافق غيره: قد طاوعه»([1]).

وقال الراغب الأصبهانيُّ: «الطَّوْع: الانقياد، ويضاده الكَره قال عز وجل: {ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا} [فصلت: 11]، {وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا} [آل عمران: 83]، والطاعة مثله، لكن أكثر ما تقال في الائتمار لما أمر، والارتسام فيما رسم؛ قال تعالى: {وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ} [النساء: 81]، {طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ} [محمد: 21]، أي: أطيعوا، وقد طاع له يطوع، وأطاعه يطيعه»([2]).

إذن؛ الطاعة - في اللغة - هي الانقياد، والعبادة هي اللِّين والذلُّ والخضوع - كما سلف -، ثم لكلٍّ من اللفظين حقيقة شرعية، فالفروق بينهما لغوية وشرعية، وهي واقعية - أيضًا - بالنظر إلى ما يتحقَّق في الخارج.

أقدم من رأيته شرح الفرق بين العبادة والطاعة فأجاد وأفاد هو العلامةُ اللغويُّ أبو هلال العسكريُّ (ت: 395) حيث قال رحمه الله: «الفرق بين العبادة والطاعة: أنَّ العبادة غاية الخضوع، ولا تستحق إلا بغاية الإنعام، ولهذا لا يجوز أن يُعبد غيرُ الله تعالى، ولا تكون العبادة إلا مع المعرفة بالمعبود. والطاعة: الفعلُ الواقعُ على حسب ما أراده المريدُ، متى كان المريد أعلى رتبةً ممن يفعل ذلك، وتكون للخالق والمخلوق، والعبادة لا تكون إلا للخالق. والطاعة - في مجاز اللغة - تكون اتِّباع المدعوِّ الداعي إلى ما دعاه إليه، وإن لم يقصد التَّبَعَ، كالإنسان يكون مطيعًا للشيطان، وإن لم يقصد أن يطيعه، ولكنه اتَّبع دعاءَه وإرادته»([3]).

وقال أبو العباس ابن تيمية - في اختصاص العبادة بالله عزَّ وجلَّ بخلاف الطاعة ونحوها -: «وقال تعالى في الخوف والخشية والتقوى: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ} [النور: 52]، فأثبتَ الطاعةَ لله والرسول، وأثبت الخشية والتقوى لله وحده، كما قال نوح عليه السلام: {إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (2) أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ} [نوح: 3]؛ فجعل العبادة والتقوى لله وحدَه، وجعل الطاعةَ للرَّسول؛ فإنَّه من يطع الرسولَ فقد أطاع الله»، وقال: «فجنس المحبة تكون لله ورسوله كالطاعة، فإن الطاعة لله ورسوله، والإرضاء لله ورسوله: {وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ} [التوبة: 62]، والإيتاء لله ورسوله: {وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ} [التوبة: 59]، وأما العبادة، وما يناسبها من التوكل، والخوف، ونحو ذلك؛ فلا يكون إلا لله وحده»([4])

وقال أبو البقاء الكفوي (ت: 1094): «الطاعة: هي الموافقة للأمر, أعمُّ من العبادة، لأن العبادة غلب استعمالها في تعظيم الله غاية التعظيم»([5]).

وقال عبد العزيز بن عبد الله بن باز (ت: 1420) في رسالته إلى المودوديِّ - حول ما بلغه من تفسيره العبادة بالطاعة، وأن كل من أطاع أحدًا فقد عبده، كما تفسَّر بالرقِّ والتأله -: «الذي يظهر لأخيكم أنَّ الطاعة أوسع من العبادة، فكل عبادة لله موافقة لشريعته تسمَّى طاعة، وليس كل طاعة بالنسبة إلى غير الله تسمَّى عبادة، بل في ذلك تفصيل: أما بالنسبة إلى الله - سبحانه - فهي عبادة له لمن أراد بها وجهه، لكن قد تكون صحيحة، وقد تكون فاسدة، على حسب اشتمالها على الشروط المرعيَّة في العبادة، وتخلُّف بعض الشروط عنها. ومما يزيد الأمر وضوحًا أن من أطاع الله في بعض الأمور، وهو متلبس بالشرك يستحق أن تنفى عنه العبادة؛ كما قال الله سبحانه في حق المشركين: {وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ}، فنفى عنهم العبادة من أجل شركهم، ومعلوم أنهم يعبدون الله في الشدة بالتوحيد، وبالحجِّ، والعمرة، وبالصَّدقات في بعض الأحيان، ونحو ذلك. ولكن لما كانت هذه العبادة مشُوبةً بالشرك في الرخاء، وعدم الإيمان بالآخرة، إلى غير ذلك من أنواع الكفر - جاز أن تُنفى عن أصحابها ومما يزيد الأمر بيانًا - أيضًا - أن من أطاع الأمراء وغيرهم في معاصي الله لا يُسمَّى عابدًا لهم، إذا لم يعتقد جواز طاعتهم فيما يخالف شرع الله، وإنما أطاعهم خوفًا من شرِّهم، أو اتباعًا للهوى، وهو يعلم أنه عاصٍ لله في ذلك، فإن مثل هذا يعتبر عاصيًا بهذه الطاعة، ولا يعتبر مشركًا، إذا كانت الطاعة في غير الأمور الشركية، كما لو أطاعهم في ضرب أحدٍ بغير حقٍّ، أو قتل أحدٍ بغير حقٍّ، أو أخذ مال بغير حقٍّ، ونحو ذلك، والأمثلة في هذا الباب كثيرة»([6]).

فإن قيل: قد وقع في كلام بعض العلماء تعريف العبادة بالطاعة([7])؟!

قلنا: «الجواب: أن تفسير العبادة بالطاعة من التفسير باللَّازم، فإن لازم العبادة أن يكون العابدُ مطيعًا لمن عبده بها، فلذا فُسِّرت بالطاعة. أو يقال: هو من التفسير بالملزوم وإرادة اللَّازم، أي: لما كانت الطاعة ملزومًا للعبادة، والعبادة لازمة لها، فلا تحصل إلا بالطاعة، جاز تفسيرها بذلك»([8]). ورغم هذا فإن كثيرًا من العلماء قيَّدوا تفسيرها، فقالوا: «العبادة هي الطاعة التي معها التذلُّلُ والخضوع»([9])، وفي هذا إشارة إلى أنها ليست مطلق الطاعة، بل طاعة مخصوصة، لهذا قال ابن تيمية: «ومن خضع لإنسان مع بغضه له لا يكون عابدًا له، ولو أحب شيئًا ولم يخضع له لم يكن عابدًا له، كما قد يحبُّ ولده وصديقه، ولهذا لا يكفي أحدهما في عبادة الله تعالى، بل يجب أن يكون الله أحب إلى العبد من كل شيء، وأن يكون الله أعظم عنده من كل شيء، بل لا يستحق المحبة والذل التامَّ إلا الله»([10]).

 وجاءت العبادة في مواضع من كتاب الله بمعنى الطاعة لتحقُّق مفهوم العبادة فيها، كما قال تعالى: {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (60) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (61)} [يس]. قال مكحول الشامي رحمه الله: «إنما عبادته: طاعته»([11])، وهكذا قال عامة المفسرين، وهو المناسب للسياق، لأن الغالب أن طاعة الشيطان طاعةٌ شركيةٌ، لكن من طاعة الشيطان ما هو معصية وليست كفرًا، كما يقع من المسلم ارتكاب كثيرٍ من المعاصي يكون فيها مخالفًا لأمر الرحمن، مطيعًا للشيطان، لهذا قيَّد بعض المفسرين العبادة المذكورة في الآية بالطاعة في الشرك، فقال السُّدِّي في تفسير الآية: «يعني ألَّا تطيعوا الشيطانَ في الشِّرك»، نقله يحيى بن سلام (ت: 200) في «تفسيره»، وقال: «إنهم عبدوا الأوثان بما وسوس إليهم الشيطان، فأمرهم بعبادتهم، فإنما عبدوا الشيطان»([12]). وقال ابن الجوزيِّ (ت: 597): «بمعنى تطيعوا، والشيطان هو إبليس، زيَّن لهم الشرك فأطاعوه»([13]).

وكذلك قوله تعالى: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (40) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ (41)} [سبأ]، قال الفخر الرازي: «أي: كانوا ينقادون لأمر الجنِّ، فهم في الحقيقة كانوا يعبدون الجنَّ، ونحن كنَّا كالقبلة لهم، لأنَّ العبادة هي الطاعة»([14]). فهذا من الرازي تفسير بدلالة السياق، فقد صرَّح في موضع آخر بنفي الترادف بينهما، فقال: «العبادة هي التذلُّل، ومنه: طريق معبَّدٌ، أي: مذلَّل، ومن زعم أنَّها الطاعة فقد أخطأ، لأنَّ جماعةً عبدوا الملائكة والمسيح والأصنام، وما أطاعوهم، ولكن في الشرع صارت اسمًا لكلِّ طاعةٍ لله أُدِّيت له على وجه التذلُّل والنهاية في التعظيم»([15]).

فهذا هو التفصيل في تفسير العبادة بالطاعة، أما جعلهما مترادفتين بإطلاق؛ فمن دعاوى الخوارج كما ذكر عنهم القاضي أبو يعلى الحنبليِّ (ت: 458)، حيث احتجُّوا بأن جميع المعاصي طاعة لإبليس، لأنه يدعو إلى جميعها، وطاعته عبادة له، ولا يكون ذلك إلا كفرًا. فقال القاضي أبو يعلى: «والجواب: أنه ليس إذا كان طاعةً له؛ كان عبادة، لأن العبادة هي الخضوع والتعظيم والإجلال، وهذا غير موجود ممن أطاع إبليس، يُبيِّنُ صحة هذا أنه ليس كل طاعة لله؛ هي عبادة له، كالنظر في معرفة الله قبل لزومها، ولأن هذا يوجب أن تكون طاعة الولد لوالده عبادة له، لأنه قد أطاعه، وأحدٌ لا يقول هذا»([16]).

نخْلُصُ مما تقدَّم إلى ما يلي:

1- العبادة أخصُّ من الطاعة.

2- العبادة ذلٌّ وخضوع؛ فتعلقها بالباطن أقوى، والطاعة انقياد؛ فتعلقها بالظاهر أقوى.

3- كلُّ عبادة خالصة لله عز وجلَّ، موافقةٍ لشرعه؛ هي طاعةٌ له. وكلُّ طاعة بهذا المفهوم الصحيح: عبادةٌ لله.

4- العبادة لا تجوز إلا لله وحده، والطاعة ثابتة لله تعالى ولغيره.

5- طاعة غير الله تعالى: إما أن تكون طاعة لله - أيضًا - فيترتب عليها الثواب، وإما أن تكون طاعة مباحة؛ فلا ثواب ولا عقاب، وإما أن تكون طاعة معصية.

فالأول: كل طاعة يحبها الله ويرضاها، مثل: طاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، وطاعة الوالدين والأمراء بالمعروف في غير معصية. فمن أتى بهذه الطاعة، يبتغي بها وجه الله؛ أثابه الله تعالى عليها.

والثاني: مثل: طاعة الناس بعضهم لبعض في مصالحهم الدنيوية، وأعمالهم العادية، فيما ليست فيها معصية لله، ولا يقصدون بها التديُّن لله أو لغيره، وإنما هي في المباحات،   فهي طاعة مباحة.

والثالث: طاعة معصية، وهي على مرتبتين:

الأولى: «الطاعة الشركية» أو: «الكفرية» هي شرك أكبر، وكفر أكبر، مخرج من الملة، حتَّى لو أمكن تصورها من غير اعتقاد أو استحلال، مثل من يطيع - باختياره غير مكره - في عبادة غير الله، أو سب الله ورسوله، أو الطعن في الدين. وكذلك إن استحلَّ الطاعة في المعصية؛ مثل من يستحلُّ طاعة الحكام والعلماء في تحليل الحرام أو تحريم الحلال، فهذه الطاعة من نواقض الإسلام.

والثانية: طاعة المعصية، وهي كل طاعة ليست شركًا في ذاتها، أو ليس معها استحلال قلبيٌّ للمعصية التي لا تبلغ درجة الكفر.

وفي تقرير الفرق بين هاتين المرتبتين؛ قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «وهؤلاء الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا - حيث أطاعوهم في تحليل ما حرَّم الله، وتحريم ما أحل الله - يكونون على وجهين:

أحدهما: أن يعلموا أنهم بدلَّوا دين الله فيتَّبعونهم على التبديل، فيعتقدون تحليل ما حرم الله، وتحريم ما أحل الله، اتِّباعًا لرؤسائهم، مع علمهم أنهم خالفوا دينَ الرسل؛ فهذا كفر، وقد جعله الله ورسوله شركًا، وإن لم يكونوا يُصلُّون لهم، ويسجدون لهم. فكان من اتَّبع غيره في خلاف الدِّين، مع علمه أنه خلاف الدِّين، واعتقد ما قاله ذلك، دون ما قاله الله ورسوله؛ مشركًا مثل هؤلاء.

والثاني: أن يكون اعتقادُهم، وإيمانُهم بتحريم [الحرام] وتحليل [الحلال] ثابتًا، لكنَّهم أطاعوهم في معصية الله، كما يفعل المسلمُ ما يفعله من المعاصي التي يعتقد أنها معاصٍ؛ فهؤلاء لهم حُكم أمثالهم من أهل الذنوب»([17]).

6- العبادة المأمور بها شرعًا ليست طاعة مجرَّدة، بل لا بدَّ فيها من الإيمان والنية والإخلاص والمحبة، والطاعة الظاهرية تتحقق بدون هذه الأمور، وقد تُحقِّقُ حصول المأمور به وحصول مقصوده ونتائجه وآثاره، مثل: الإحسان إلى الفقراء والمساكين من غير نية التعبد لله تعالى، أو بنية فاسدة كالرياء والسمعة، فإن هذا الإحسان موافق لأمر الله وشرعه، لكنه لا يكون عبادة مقبولة عنده إلا بالنية والإخلاص وقصد الامتثال لشرعه، ومن بدائع ما بيَّنه العسكريُّ من الفروق: «الفرق بين الطاعة وموافقة الإرادة»، فقال: «موافقة الإرادة قد تكون طاعةً، وقد لا تكون طاعةً، وذلك إذا لم تقع موقعَ الداعي إلى الفعل، كنحو إرادتك أن يتصدَّق زيدٌ بدرهم من غير أن يشعر بذلك، فلا يكون بفعله مطيعًا لك، ولو علمه فَفَعَلَهُ من أجل إرادتك كان مطيعًا لك، ولذلك لو أحسَّ بدعائكَ إلى ذلك، فمال معه؛ كان مطيعًا لك»([18]).

إذن, «الطاعة» التي هي مراد الله تعالى من المكلف لا تكون عبادة مقبولة عنده سبحانه إلا إذا اقترن بها عمل القلب بقصد موافقه مراده تعالى إخلاصًا لوجهه, وطلبًا لمرضاته , بل عمل القلب هو المقصود ابتداءً وأصالةً , وعمل الظاهر تبعٌ له , وفي هذا يقول شيخ الإسلام رحمه الله:

«من ظنَّ أن الطاعة صُوَر الأعمال فهو جاهل بل اسم الطاعة يتناول طاعة القلب بالخوف والرجاء والإخلاص لله والشكر وغير ذلك أعظم مما يتناول طاعةَ البدن كالصيام والقيام والصدقة قال الله تعالى {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (177) } [البقرة]

وقد أجمع المسلمون على أن مجرَّد أعمال البدن بدون عمل القلب لا يكون عبادةً ولا طاعةً لله وأن كل عمل لا يُراد به وجه الله فليس هو عبادة له وفي الصحيح «إنَّ في الجَسَد مضغةً إذا صَلحت صَلَح لها سائرُ الجسد وإذا فَسَدت فسدَ لها سائرُ الجسد ألا وهي القلب».»([19]) .

هذا هو الفرق الأهم بالنسبة لموضوع بحثنا، وبه يتمُّ النقض على التفسير السياسي الذي يبني نظريته على تفسير العبادة بالطاعة، كما يطيع العبدُ المملوك سيِّدَه. إذ يعتقد أصحاب هذا التفسير بأن الغاية من الخلق عمارة الأرض وإقامة دولة العدل، ولهذا أرسل الله الرسل وأنزل الكتب وسنَّ الشرائع، فلا بدَّ للإنسان من الخضوع التام للنبوة والرسالة لتحقيق الغاية التي أرادها الله تعالى، فمهمته في هذه الحياة أن يكون بمثابة العبد المملوك الذي يأمره سيِّده بالعمل فيمتثل أمره، وينفِّذُ ما يطلبه منه. وهكذا تفقد العبادة حقائقها الذاتية المتمثلة في النية والإخلاص والاحتساب، وتصبح النظرة المركزية للجانب الظاهري ونتائجه ـ أي الطاعة وثمارها ـ، لا إلى الحقيقة الإيمانية الباطنة ـ أي العبادة وشروطها وأحوالها القلبية المتصلة بالله عزَّ وجلَّ ـ.

فهذا هو الأساس الاعتقادي لنشأة التفسير السياسي للإسلام، وظهور نظرية «الحاكمية»، والغلو فيها ، مما أدى إلى التوسّع في إطلاق أحكام التكفير بغير حق. وأبرز من فسّر العبادة بالطاعة هو الأستاذ المودودي مؤسس «الجماعة الإسلامية» في الهند وباكستان، ثم تبعه في ذلك الكاتب الشهير سيد قطب، وتأثر بهذه النظرية أكثر الحركيين، خاصة غلاة التكفير، وتنظيمات التطرف والعنف والتفجير. وجود الشيخ أبو الحسن الندوي مناقشة المودودي في هذه القضية في كتابه : «التفسير السياسي للإسلام»، وأنا أنقل هنا طرفًا من كلامه.

قال الندوي رحمه الله : «وإذا كان - عند الأستاذ المودودي -: «أصل الألوهيّة وجوهرها هو السُلطة»([20])، وإذا كان: «كل من الألوهيّة والسُلطة تستلزم الأخرى، وأنه لا فرق بينهما من حيث المعنى والرّوح»([21])، و «أنّ القرآن يجعل «الربوبية مترادفة للحاكميّة والملكيّة (Sovereignty)»([22]) ؛ فإذنْ لا يعود مفهومُ «العبادة» - التي هي وظيفةُ العبد وحده - وأصلُها وحقيقتها إلا الطَّاعة والانقياد والولاء والوفاء (Loyalty). وقد أخذت النُّقطةُ المركزيَّةُ للربوبيَّة والألوهيَّة، وفكرتهما الرئيسيَّةُ، وأخصُّ خصائصهما (السُّلطةُ)، ومفهومُهما الوحيدُ، وحقيقتهما الأصيلة ؛ كل مأخذ مِنْ ذِهْنِه ، حتى ضَعُفَ فيما يرى هو - أو بتعبيرٍ أدقَّ فيما تدلُّ عليه كتاباته - شأنُ العباداتِ وأعمالها ومظاهرها وشعائرها التي شرعتها الشَّريعةُ، ودعا إليها الدِّين، وأحبَّها النبي صلى الله عليه وسلم حبًّا يفوق الوصفَ، وجاءتْ عشراتٌ من الآيات القرآنيَّة ومئاتٌ من الأحاديث النبويَّة، ترغِّب فيها، وتنوِّه بشأنها، وتشيد بذكر فضائلها، وتحرِّض على التنافس فيها، وتثني على المكثرين منها والمعنيِّين بها، وتندِّد بالراغبين عنها أو المقصِّرين فيها. وطبعًا بدت له الشَّعائر التعبديَّة في درجة ثانويَّة، وبدا له الانهماك والتوغُّلُ فيها والمداومةُ عليها؛ نتيجةَ الجهل لروح الدِّين ورمزَ عهد الانحطاط، وأخذتْ فكرته ودعوته هذه شدَّتها وحدَّتها حتَّى جعلت أسلوبه الكتابي يتَّسمُ - لدى الحديث عن الفكرة المركزيَّة للعبادات وروحها وجوهرها ، التي لا يتجاسر أحد من أهل العلم أن ينكر أهميتها في حدِّ ذاتها - بما يُشبه الاستخفاف بتلك العبادات المشروعةِ والإكثارِ من الصَّلاة والذِّكر، وهنالك يتحوَّل أسلوبه عن أسلوبه الكتابيِّ الهادئ إلى الأسلوب الإنشائيِّ الهادر([23]). يقول - وهو يتحدث عن عناصر العبادة :  (الولاء للسيّد، والطَّاعة له، وتعظيمه)؛ ويقرِّر أنَّ هذه الأمور الثَّلاثة هي التي عبَّر عنها الله سبحانه بكلمة «العبادة» الجامعة -:

«استحضر في ذاكرتك هذا المعنى «للعبادة» ثم أجب على تساؤلاتي الآتية : ما رأيك في الخادم([24]) الذي بدل أن يذهب فيقوم بالوظيفة التي أسندها إليه سيِّده، يظل قائمًا أمامه واضعًا إحدى يديه فوق الأخرى، يتلو اسمه ملايين المرات؟ يقول له سيِّده : اذهب فأدِّ حقَّ فلان وفلان، لكنَّه لا يبرح مكانه ويسلِّم على سيِّده عشر تسليمات راكعًا خاضعًا، ويستوي قائمًا يضع إحدى يديه فوق الأخرى، ويأمره سيِّده قائلًا : اذهب فاقضِ على هاتي المفاسد، لكنه لا يتحرك من مكانه قيد بوصة، ويسجد لسيِّده مرّة بعد أخرى، يقول له سيده : اقطع يد السَّارق، فيظل قائمًا ويكرر عشر مرات بصوت جميل : اقطع يد السَّارق، اقطع يد السَّارق، لكنه لا يتحرك ليقوم ولو مرة واحدة بمحاولة لإقامة نظام الحكم الذي يسمح بقطع يد السَّارق. أفهل تقول: إن الرجل يعبد سيَّده في معنى الكلمة؟! وإني لأعلم ما ستقوله لخادم لك وقف هذا الموقف، ولكن يا له من عجب منك .. من يصنع من خدم الإله هذا الصّنيع تحسبه أنت عَبَّادًا، الله أعلم كم مرةً يقرأ هذا المسكينُ أحكام الله في القرآن الكريم منذ الصباح إلى المساء، لكنَّه لا ينشط من مكانه لتحقيق تلك الأحكام، بل يستمر يصلِّي النَّفل بعد النَّفل، ويسبح باسم الله على سُبحة ذات ألف حبَّة، ويلحنُ في تلاوة القرآن، وأنت ترى صنيعه هذا، فتقول: ما أعبده وما أزهده! وإنما وقعتَ فريسةَ هذا الفهم الخاطئ، لأنك لا تدري المعنى الحقيقيَّ للعبادة»([25]).                   

الهوامش:

([1]) «مقاييس اللغة» 3/431.

([2]) «المفردات» 529.

([3]) «الفروق في اللغة»، تحقيق: جمال عبد الغني مدغمش، مؤسسة الرسالة، بيروت: 1422، 389.

([4]) «مجموع الفتاوى» 1/72، 3/108، 10/153-154، 235، 24/338.

([5]) «الكليات» 583.

([6]) «مجموع فتاوى ومقالات متنوعة» لابن باز رحمه الله، 5/17-18. وراجع كتاب: «معنى لا إله إلا الله» للشيخ عمر بن أحمد المليباري رحمه الله.

([7]) ورُوي ذلك عن الإمام سعيد بن جُبير  رحمه الله؛ أخرجه محمد بن نصر المروزي في «تعظيم قدر الصلاة» 1/345، بإسنادٍ ضعيف.

([8]) «تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد» لسليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب (ت: 1233)، المكتب الإسلامي، بيروت: 1423، 551.

([9]) «تأويلات أهل السنة» لأبي منصور الماتريدي 3/170، «تفسير السمعاني» 1/37، «تفسير البغوي» 1/75، «تفسير الرازي» 25/212، «تفسير القرطبي» 1/145، 226، 11/130، 17/56، «شرح صحيح مسلم» للنووي 1/162 (8).

([10]) «العبودية» ضمن: «مجموع الفتاوى» 5/158. وقد اعترض الشيخ الدكتور عمر بن سليمان الأشقر (ت: 1433) في كتابه: «مقاصد المكلفين فيما يتعبد به لرب العالمين» 52، على كلام ابن تيمية هذا، فقال: «فقد جعل القرآن طاعة الشيطان عبادة للشيطان، وجعل خضوع بني إسرائيل لفرعون عبادة له، مع كونهم غير راضين بذلك، فقد قال بنو إسرائيل لموسى: {أوذِينَا مَنْ قَبْلِ أَنْ تَأتينا، ومَنْ بَعْد مَا جِئْتَنَا} [الأعراف: 129]. وهذا الإيذاء ذكر لنا القرآن صورًا منه: {وإذْ نَجيناكْم مِنْ آل فِرْعَوْنَ يسُومونَكمْ سوءَ الْعَذَاب، يُذَبحونَ أبْنَاءَكمْ، وَيَستحْيونَ نِسَاءَكمْ، وَفِي ذَلِكُم بلَاء منْ رَبكُمْ عَظِيم} [البقرة: 49]، فمع هذا الإيذاء لا يمكن أن تصحب مذلة بني إسرائيل وطاعتهم وانقيادهم لفرعون محبة أبدًا».

قال عبد الحق التركماني عفا الله عنه: هذه زلَّةٌ من هذا العالم الفاضل رحمه الله؛ أما طاعة الشيطان فسيأتي بيان مراتبها، وأما طاعة بني إسرائيل لفرعون؛ فإن وصفها بالعبادة في الآية التي احتجَّ الشيخ بها قبل كلامه الذي نقلتُه ـ وهي قوله تعالى: {فَقَالوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثلْنِا وَقَوْمهما لَنَا عَابِدُونَ} [المؤمنون: 47] ـ إنما هو من قول فرعون وملئه ووصفهم، ولم يرد في خبر الله تعالى ولا خبر رسوله أن بني إسرائيل كانوا عابدين لهم بالمفهوم الشرعي للعبادة، لهذا فإنَّ المراد في وصف فرعون هو العبادة بالمفهوم اللغوي، أي الذلة والخضوع، ولا شكَّ أن بني إسرائيل كانوا أذلة خاضعين لفرعون بسبب ظلمه واضطهاده لهم، لهذا قال الطبري في تفسير الآية ـ ونقله الشيخ أيضًا ـ: «لنا عابدون: يعنون أنهم لهم مطيعون متذلِّلون، يأتمرون لأمرهم، ويدينون لهم، والعرب تُسمِّي كلَّ من دان لملك عابدًا له». فهذه إشارة قوية من شيخ المفسرين على أن المقصود الدلالة اللغوية للعبادة، ويؤكدها تتمة كلامه التي لم ينقلها الشيخ، حيث قال ابن جرير: «ومن ذلك قيل لأهل الحيرة: العُبَّاد؛ لأنهم كانوا أهل طاعة لملوك العجم». وقد اقتبس ابن جرير كلامه هذا من أبي عبيدة معمر بن المثنى البصري (ت: 209) في كتابه: «مجاز القرآن» 2/59. وتتابع المفسرون على نقله، منهم الفخر الرازي، وقال: «ويحتمل أن يقال: إنه كان يدَّعي الإلهية فادَّعى أن الناس عبادُه، وأن طاعتهم له عبادةٌ على الحقيقة». فهي على كلِّ حال دعوى من فرعون وملَئِه؛ فإن كان مقصودهم الإخبار عن خضوع بني إسرائيل لسلطانهم قهرًا فهي دعوى صادقة، وإن كان مقصودهم عبادتهم لهم حقيقة فهي دعوى كاذبة، ولا يخفى أن الدلالة اللغوية للفظ «العبادة» أعمُّ وأوسع من الدلالة الشرعية التي يترتب عليها أحكام الإيمان والكفر. ومن اللطائف أن سيد قطب ـ على غلوه في مسألة الطاعة ـ قد أصاب في هذا الموضع وأحسن، فقال في «ظلاله» 4/2468: «ويبرُز في هذا الاستعراض: الاعتراض ذاته على بشرية الرسل: {فَقالُوا: أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا}، ويزيدُ عليه تلك الملابسةُ الخاصَّةُ بوضع بني إسرائيل في مصر: {وَقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ} مسخَّرون خاضِعُون، وهي أَدعى ـ في اعتبار فرعون وملئه ـ إلى الاستهانة بموسى وهارون!».

([11]) أخرجه ابن المنذر عنه، كما في «الدر المنثور في التفسير بالمأثور» للسيوطي 7/67.

([12]) «تفسير يحيى بن سلام»، تحقيق: د. هند شلبي، دار الكتب العلمية، بيروت: 1425، 2/816.

([13]) «زاد المسير في علم التفسير» 3/528.

([14]) «التفسير الكبير» 25/212.

([15]) «التفسير الكبير» 25/243 [البينة: 5].

([16]) «مسائل الإيمان» ضمن: «القاضي أبو يعلى وكتابه مسائل الإيمان دراسة وتحقيقًا» للدكتور سعود بن عبد العزيز الخلف، دار العاصمة، الرياض: 1410، 348.

وقال ابن تيمية رحمه الله: «وقد يقال: كل من ترك الإيمان والتوحيد فلا يتركه إلا إلى كفر وشرك؛ فإن النفس لا بد لها من إله تعبده فمن لم يعبد الرحمن عبد الشيطان! فيقال: عبادة الشيطان جنس عام، وهذا إذا أمره أن يشتغل بما هو مانع له من الإيمان والتوحيد يقال: عبده. كما أن من أطاع الشيطان فقد عبده، ولكن عبادة دون عبادة. والناس نوعان طلاب دين وطلاب دنيا. فهو يأمر طلاب الدين بالشرك والبدعة كعباد المشركين وأهل الكتاب، ويأمر طلاب الدنيا بالشهوات البدنية» «المجموع» 11/672.

([17]) «مجموع الفتاوى» 7/70.

([18]) «الفروق في اللغة» 389.

([19])«الرد على الشاذلي في حزبيه وما صنفه في آداب الطريق» , دار عالم الفوائد , مكة المكرمة :1429 , 65 , والحديث أخرجه البخاري (52) و (2051) , ومسلم (1599) من حديث النعمان ابن البشير رضي الله عنه

([20]) راجع «المصطلحات الأربعة في القرآن» للمودودي ص :23 . ( الندوي)

([21]) راجع نفس المصدر , ص : 29 . ( الندوي)

([22]) انظر المصدر السابق , ص :93 . ( الندوي)

([23]) في قول أبي الحسن الندوي رحمه : بما يُشبه الاستخفاف بتلك العبادات المشروعة ؛ تلطف في العبارة، بل كلام المودودي في أسلوبه ومعناه استخفاف صريح بالعبادات الأصلية الخالصة في الإسلام، فهو لا يثبت لها أهمية ولا مكانة إلا من حيث كونها: (الوسائل) للغاية الكبرى التي خلق الإنسان من أجلها وهي - في زعمه - عمارة الأرض وإقامة الحكومة العادلة.

([24]) وكلمة «الخادم» تدل على أن الأستاذ المودودي لا يرى الصلة بين العبد والمعبود – الإنسان والإله -، تختلف عن الصلة بين الحاكم والمحكوم. ولا فرق في الصلة بين السيد والخادم، والأمر والمأمور. فهو يقول في صريح العبارة: ومن يصنع هذا الصنيع من خدم الإله تحسبه أنت عبادا!». (الندوي)

([25]) (خطابات) باللغة الأردية – الجزء الثالث ص :6 -7 , توزيع المكتبة الإسلامية المركزية , دلهي الهند . (الندوي)

والنقل السابق عن الندوي من كتابه : (التفسير السياسي للإسلام) 282 . وراجع فيه البحث بتمامه : 252 – 298 , فإنه مهم .

جميع الحقوق محفوظة لدى موقع دراسات تفسير الإسلام ©