موجز بأهمِّ مناهج تفسير الإسلام


1- التفسير الديني للإسلام:

يُفسِّر الإسلام في ضوء الغاية التي أخبر الله عزَّ وجلَّ عنها في قوله: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56)} الذاريات، وأمر بها في قوله: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (5)} البينة؛ فحقيقة الإسلام وماهيَّته، ومقصده وغايته تتمثَّل في إقامة العبودية لله عزَّ وجلَّ بالتوحيد والإخلاص والعمل الصالح الذي يقصد به ابتغاء مرضاته وإرادة الدار الآخرة للفوز بالجنَّة والنجاة من النار. وجِماع ذلك: الإقرار بأصول الإيمان الستَّة، وأركان الإسلام الخمسة، فهذا القدر من الدين هو الغاية الكبرى، والهدف الأسمى من دين الإسلام، وهو مقصوده ابتداءً وأصالةً، ثم لا بدَّ من العمل ـ بحسب الممكن من العلم والقدرة والاستطاعة ـ بجميع الشرائع والأحكام التفصيلية التي جاءت بها الشريعة لإصلاح دنيا الناس ونظام حياتهم الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، فهي مقصودة تبعًا، ولها أهميتها بحسب مكانتها بين أحكام الديانة.

هذا التفسير هو التفسير الصحيح للإسلام الذي يُعرف باستقراء نصوص الكتاب والسنة، وفهم السلف الصالح وأئمة الإسلام على اختلاف مذاهبهم منذ الصدر الأول وحتَّى العصر الحاضر.

2- التفسير النَّفعي للإسلام:

يُفسِّر الإسلام من خلال الآثار النَّفعية، والثمار المعنوية والمادية لما جاءت به الشريعة من العبادات والمعاملات والأخلاق والسلوك. فهو يرى غاية الدين في المنفعة المترتبة على تطبيقه، ويرى العبادات المحضة الخالصة لله تعالى كالصلاة والصيام وسائل وأدوات لتحقيق تلك الغاية؛ إما بنفس وضعها، وإما بالثمار والنتائج المرتبة عليها، لهذا يتمُّ التركيز على إبراز منافعها النفسية والصحية والاجتماعية، وجعلها محورًا لحكمة التشريع ومقاصده.

3- التفسير السياسي للإسلام:

هذا التفسير يجعل العقائد والعبادات وجميع شرائع الإسلام وسائل وأسبابًا لإقامة النظام السياسي الذي يحقِّقُ العدل المادي والسعادة الدنيوية بين البشر. «إنَّه يُفَسِّرَ الدِّينَ بتفسيرٍ جامعٍ، وصورةٍ كليَّةٍ؛ تكون فيه الناحيةُ السياسيةُ وحدةً أساسيَّةً للدِّين، لا يُعْرَفُ هدفُ الرسالة النبوية بدون السياسة، ولا يُفهَمُ المعنى الكامل للعقائد، ولا تَظهر أهميةُ الصلاة وسائر العبادات، ولا تُقطع مراحلُ التَّقوى والإحسان، ولا يُعقَلُ الهدفُ مِنَ «الإسراء والمعراج» إلَّا بالسِّياسة، وجملةُ القول؛ فإنَّه بدون السِّياسة يبقى الدِّينُ كلُّه فارغًا، وغيرَ قابلٍ للفهم، كأَنَّه قد حُذِفَ منه ثلاثُة أَرباعه»([1]).

4- التفسير الاجتماعي للإسلام:

يركِّزُ هذا التفسير على الجوانب الاجتماعية من الشريعة الإسلامية، ويجعل لها مكانة مركزيَّة في فهم الدين ومقاصده، ويسعى إلى التغيير والإصلاح الاجتماعي من خلال تربية المسلمين على العناية بتلك الجوانب وتطبيقها باعتبارها غاية الدين ومقصده الأعلى. يعدُّ الداعية التركي فتح الله كولن الأب الروحي لهذا الاتجاه([2])، ويلخص ذلك بقوله: «إننا نؤمن بالإسلام الاجتماعي، الذي يجمع بين التدين، والحداثة، والقومية، والتسامح، والديمقراطية»([3]).

5- التفسير الحضاري للإسلام:

طرح رئيس وزراء ماليزيا الأسبق داتو سري عبد الله أحمد بدوي مشروعًا قال: «إنه يهدف لنهضة الأمة على هدي تعاليم الإسلام؛ وذلك من أجل استعادة دور الحضارة الإسلامية»، وأطلق على هذا المشروع اسم «الإسلام الحضاري» Civilizational Islam / Islam Hadhari، وهو اصطلاح قال: «إنه يقصد به المنهج الحضاري الشامل لتجديد الإسلام في ماليزيا، ويستخدم كمحرك للأمة نحو التقدم والتطور والريادة الإنسانية». ومما جاء في وثيقة المشروع التي أصدرتها مصلحة الشؤون الإسلامية الماليزية عام (2005م): «يركز مبدأ الإسلام الحضاري على النهضة التي ترمي إلى تشييد الحضارات من خلال تحسين مستوى المعيشة والنهوض بالإنسان روحيًّا وماديًّا عن طريق التمكن والإلمام بشتى أنواع المعارف والعلوم... يركز مبدأ الإسلام الحضاري على التنمية وتشييد الحضارات وفق المنظور الإسلامي الشامل، ويكون ذلك بتكثيف الجهود من أجل رفع مستوى الحياة والمعيشة من خلال الإلمام والتمكن من العلوم والمعارف، والتنمية الروحية والمادية، وسيبقى تراث الحضارة الإسلامية المجيدة دافعًا وحافزًا لرقي الأمة المعاصرة في شتى نواحي الحياة. تَمَّ وضع أسس عامة لمبدأ الإسلام الحضاري تساعد على تحويل فكر المسلمين بصورة شاملة ومنتظمة دون التأثر بعوامل قبلية أو حزبية، كما يتطلب الإسلام الحضاري تغيير نظرة المسلمين للعالم. وبناء على ذلك يتم التركيز على مفاهيم معينة كالتي تتعلق بالحياة والعمل بوصفهما عبادة، ومفهوم خلافة الإنسان لإعمار الأرض، ومسؤولية تحقيق التقدم والنجاح الحضاري في كل ميادين الحياة،... إن مبدأ الإسلام الحضاري أكثر شمولية وكمالاً من المبادئ والمفاهيم المقتصرة على جوانب جزئية من الدين، كما هو شأنه في مفهوم الإسلام السياسي، والإسلام الصوفي وما شابه ذلك»([4]).

12- القاسم المشترك بين التفاسير المنحرفة للإسلام:

التفاسير المنحرفة للإسلام ـ سواء ما كان منها سياسيًّا أو نفعيًّا أو حضاريًّا أو اجتماعيًّا ـ ترجع إلى أصل كليٍّ واحد في فهم الدين، ألا وهو: أن غايةَ الدينَ الرئيسَ ـ أو الرئيسيَّةَ ـ هو إصلاح الدنيا وإعمار الأرض. فكل هذه التفاسير ترجع إلى التفسير النَّفعي للدين، أي: يجعل للمنفعة المترتبة على اعتقاد الدين والعمل به مكانة مركزية في حقيقة الدين وماهيته.

يرى أصحاب «التفسير السياسي» أن هذه «النفعية» يجب تحقيقها من خلال الانقلاب السياسي، وتغيير نظام الحكم، وإقامة الحكومة العادلة، بينما يرى أصحاب «التفسير الاجتماعي» إمكانية تحقيقها من خلال الأنشطة الاجتماعية المختلفة التي تخدم الناس وترفع من مستواهم السلوكي والتعليمي والاقتصادي، وتزيد صور التكافل والتضامن والرفاهية والاستقرار في المجتمع. أما أصحاب «التفسير الحضاري» فلهم نظرة أوسع وأشمل من هذين التفسيرين. إن المتأمل في هذه التفاسير سيجد أن الخلاف بينها هو من «اختلاف التنوع» لا «اختلاف التضاد».

 

الهوامش:           

([1]) «التفسير السياسي للدين» لوحيد الدين خان، ص: 128.

([2]) مقال: «فتح الله كولن أبو الإسلام الاجتماعي في تركيا» للدكتور مصطفى الأمين، ضمن: «عودة العثمانيين: الإسلامية التركية»، مركز المسبار للدراسات والبحوث، دبي: 2012، ص 195. كما توجد في تركيا حركة فكرية وتنظيمية تدعو إلى «الإسلام الاجتماعي» بتركيز ووضوح أكبر، لكنها ضعيفة ومحدودة التأثير أبرز أسماء هذا الاتجاه هو الكاتب إحسان إيلاجيك، وهو اتجاه اشتراكي يساري.

 ([3]) http://ar.fgulen.com/content/view/865/105/

([4])  نص الوثيقة كاملة في موقع «إسلام أون لاين»:

http://islamonline.net/feker/studies/6306

وراجع للتوسع كتاب: «الإسلام الحضاري: النموذج الماليزي»، مجموع بحوث ومقالات من إصدار: مركز المسبار للدراسات والبحوث، دبي: 2010م.

جميع الحقوق محفوظة لدى موقع دراسات تفسير الإسلام ©