تفسير التاريخ والماركسية


من المصطلحات العصرية الشائعة: «تفسير التاريخ» أو: «فلسفة التاريخ»، أي فهم التاريخ وحركته والعوامل الكبرى في صنعه وتغييره، للحصول على الجواب على سؤالين مهمَّين هما: لماذا حدث؟ وكيف حدث؟ فلا نبحث في «تفسير التاريخ» عن الوقائع الجزئية: ماذا حدث؟ وأين حدث؟ ومتى حدث؟ فهذه الأمور صنعة المؤرِّخ، وإنما نبحث في تفسير التاريخ بنظرة كلية، حتى نفهم السنن التي تحكمه، والعوامل الفاعلة فيه([1]).

تفسير التاريخ موضع اهتمام الفيلسوف والحكيم والمفكِّر والمثقَّف، والبحث فيه قديم، فقد كان لأبي محمد ابن حزم (ت: 456) رحمه الله مساهماتٌ رائعة في تفسير التاريخ، ويعدُّ المؤرخ عبد الرحمن ابن خلدون (ت: 808) رحمه الله مؤسسًا له في مقدمة كتابه الكبير في التاريخ، وقد عدَّ تفسير التاريخ داخلًا في الفلسفة، فقال: «فنُّ التاريخ في ظاهره لا يزيد على أخبار عن الأيام والدول، والسوابق من القرون الأُوَل، وفي باطنه نظرٌ وتحقيقٌ، وتعليل للكائنات ومبادئها دقيقٌ، وعلم بكيفيّات الوقائع وأسبابها عميق، فهو لذلك أصيل في الحكمة عريق، وجدير بأن يُعدَّ في علومها وخليق»([2]).

وأهتمَّ الفلاسفة والمفكرون الغربيون في العصر الحديث بتفسير التاريخ، ولهم في ذلك مذاهب واتجاهات مختلفة كل حسب معتقده واهتمامه وغرضه، والذي يهمُّنا ـ هنا ـ النظرية الماركسية في تفسير التاريخ، فكارل ماركس يعدُّ مؤسس علم الاجتماع الحديث، وإلى أفكاره استندت الحركات الشيوعية واليسارية في العالم، وقامت ثورات وتأسست دول، حتَّى عُدَّ من أهم الأشخاص المؤثرين في تاريخ البشرية.

يظهر في فلسفة ماركس ونظرياته ـ بوضوح ـ المغالطة في جعل قضية جزئية قضية كلية حاكمة على الوجود الإنساني كلِّه، فقضية «المال والإنتاج» صارت هي القضية المحورية في فكر ماركس، وانطلق يحكم على كل الحقائق والمفاهيم من خلالها، لهذا: «تتخذ الماركسية نقطة انطلاقها مما يكمن في أساس كل مجتمع إنسانيٍّ ـ أي طريقة الحصول على وسائل العيش ـ، وتقيم الصلة بين هذه الطريقة والعلاقات التي يدخل فيها الناس في عملية الإنتاج. وترى الماركسية في نسق هذه العلاقات الإنتاجية الأساس والقاعدة لكل مجتمع، عليها يرتفع بناءٌ فوقيٌّ سياسيٌّ وقانونيٌّ، واتجاهات مختلفة للفكر الاجتماعي»([3]). وإذا كانت «المادة» هي البناء التحتي الوحيد للوجود الإنساني؛ فإن كلَّ ما يعتقده ويمارسه وينتجه إنما هو من مظاهر فاعلية تلك المادة، وهو ما يصرح به ماركس وصديقه: فريدريش إنجِلز (1820-1895م) فيقولان في «الأيديولوجيا الألمانية» بثقةٍ: «الأخلاقيات والدين والميتافيزيقا، وكل بقية الإيديولوجيات وأشكالها المتطابقة من الوعي لا تعود تحتفظ بمظهر الاستقلال؛ إنها لا تاريخ لها، لا تطور لها، غير أن الناس وهم يطورون إنتاجهم المادي، وتفاعلهم المادي؛ يغيرون ـ مع هذه الأمور ـ وجودهم الحقيقي، وتفكيرهم، ومنتجات تفكيرهم» ([4]).

ومن هنا: فإن أساس «التفسير المادي للتاريخ» عند ماركس وإنجلز هو ادعاؤهما بأن: «نمط الانتاج في الحياة المادية يحدِّد الطبيعة العامة للعمليات الاجتماعية والسياسية والروحية للحياة»، وقد ردَّدا هذه الدعوى مرارًا عديدة([5]).

لقد كانت الأفكار الاشتراكية، والمطالبة بحقوق العمال، وبالتكافل الاجتماعي؛ موجودةً قبل ماركس، لكنَّه تميَّز عمَّن سبقه بأنَّه جعل الأفكار الاشتراكية واليسارية مادةً لتفسير التاريخ والدين والأخلاق والسياسة والاجتماع. لقد صاغ فلسفته على أساس أن قضية الاقتصاد والإنتاج والأيدي العاملة والطبقية هي القضية الكليَّة التي يجب أن يفسر بها كل شيء، وفي ضوء ذلك وضع النظرية التي تنسب إليه، وتُعرف بالتفسير الاقتصادي ـ أو الماديِّ ـ للتَّاريخ: The Economic Interpretation of History

ومن أركان هذا التفسير: «الماديَّة الجدليَّة»، فهي فلسفة ماركسية تجعل المادة أساسًا للفكر الإنسانيِّ وسلوكه([6]).

لهذا؛ هناك فرق بين أن تناقش مسلمًا قد تأثر ببعض الأفكار الاشتراكية مثل توزيع الثروات وحقوق العمال ونحو ذلك، أو تناقشَ اشتراكيًّا يعتنقُ الفكر الماركسيَّ؛ حيث يكون النقاش مع الأوَّل سهلًا يسيرًا لأن المرجعية واحدة وهي الكتاب والسنة، أما من يعتنق النظريةَ الماركسية أو الفكر الشيوعي؛ فستجد الاختلاف معه جوهريًّا، لأنه اختلاف في مصدر التلقي والفهم والتعليل، فنظرته الكليَّةَ للحقائق تختلف تمامًا، فهو يفسِّر الدين والتاريخ والحضارة وحركة المجتمع من خلال نظرية صراع الطبقات والغنى والفقر والعمل والانتاج، لهذا يزعمُ أنَّ الدِّين من وضع أصحاب المال والقرار لاستغلال العمَّال والفقراء، ولهذا رفع الماركسيُّون شِعار: «الدِّين أفيون الشعوب»!

لدينا في الفقه الإسلامي مباحث كثيرة تتعلق بهذه القضايا، منها مثلًا: هل في المال حقٌّ غير الزكاة والنفقات الواجبة؟ هذا فيه خلافٌ، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما آمَنَ بي مَنْ باتَ شَبعانَ وجارُهُ جائعٌ إلى جَنْبِهِ وهو يَعلَمُ به»([7]). وقال الإمام ابن حزم في ذلك: «وفَرضٌ على الأغنياء من أهل كلِّ بلدٍ أن يقوموا بفقرائهم، ويُجبرهم السلطان على ذلك؛ إن لم تَقُمِ الزكوات بهم، ولا في سائر أموال المسلمين، فيُقام لهم بما يأكلون من القوت الذي لا بُدَّ منه، ومن اللباس للشتاء والصيف بمثل ذلك، وبمسكن يكنُّهم من المطر، والصيف، والشمس، وعيون المارَّة. برهان ذلك: قول الله تعالى: {وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ} [الإسراء: 26]، وقال تعالى: {وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} [النساء: 36]؛ فأوجب تعالى حقَّ المساكين، وابن السبيل، وما ملكت اليمين مع حقِّ ذي القربى، وافترض الإحسان إلى الأبوين، وذي القربى، والمساكين، والجار، وما ملكت اليمين، والإحسانُ يقتضي كلَّ ما ذكرنا، ومنعه إساءةٌ بلا شك»([8]).

فمثلُ هذا النصِّ وتقريرِ عالمٍ من علماء الإسلام قد يستغلُّه من يحملون فكرًا اشتراكيًّا أو ماركسيًّا، فيزعمون أنَّ لمبادئ الاشتراكية أساسًا في الإسلام، كما زعموا من قبلُ اشتراكيةَ أبي ذرٍّ الغفاريِّ رضي الله عنه([9])، والحقيقة أن هذا ليس نظريةً اجتماعيةً ولا فلسفة للحياة كلِّها؛ إنما هو حكم جزئيٌّ يتعلَّق بحقِّ فئةٍ من فئات المجتمع.

الهوامش

 

 

([1]) ما ذكرناه هنا فكرة مجملة وعامة عن الموضوع، فلا مجال هنا للبسط والتفصيل، راجع مادة (فلسفة التاريخ) في «موسوعة الفلسفة» لبدوي 2/157-163.

([2]) «مقدمة ابن خلدون» تحقيق: عبد السلام الشدادي، خزانة ابن خلدون، الدار البيضاء: 2005م، 1/5-6.

([3]) نقله د. محمد عمارة في «التفسير الماركسي للإسلام» دار الشروق، القاهرة: 2002م، 35، عن «الموسوعة الفلسفية» وضع مجموعة من العلماء السوفييت، ترجمة: سمير كرم، بيروت: 1974م، مادة: (الفكر) و(الفكرة) و(المادية التاريخية).

([4]) «الأسس الأخلاقية للماركسية» لأوجين كامنكا، ترجمة: مجاهد عبد المنعم، المركز القومي للترجمة، القاهرة: 2011م، 182.

([5]) «الأسس الأخلاقية للماركسية» 179.

([6]) استفدت فكرة هذا المبحث من وحيد الدين خان في «التفسير السياسي للدين» 125-139، ولم أنقل كلامه؛ فليراجعه من أراد التوسع، فإنه نفيس جدًّا.

([7]) رواه الطبراني في «المعجم الكبير» (751) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه، وحسَّن إسنادَه الهيثميُّ في «مجمع الزوائد» 8/170، والألباني في «سلسلة الأحاديث الصحيحة» (149).

([8]) «المحلى بالآثار» 6/165، المسألة: (725).

([9]) من الكتب المشهورة في تقرير هذا الزعم الباطل: «أبو ذرٍّ الغفاري: الاشتراكي الزاهد» للأديب عبد الحميد جودة السحَّار (1913-1974م)، مكتبة مصر: 1973م. «اشتراكية الإسلام» للدكتور مصطفى السباعي (1915-1964م)، جامعة دمشق، 1958. «العدالة الاجتماعية في الإسلام» لسيد قطب (1906-1966م)، دار إحياء الكتب العربية، القاهرة: 1949م، وطبع مرارًا بإشراف أخيه محمد قطب، ونشر دار الشروق في القاهرة وبيروت، منها الطبعة (18) سنة: 2013م.

جميع الحقوق محفوظة لدى موقع دراسات تفسير الإسلام ©
تنفيذ مؤسسة المفهرس لتقنية المعلومات