خطأ الاحتجاج بقضية جزئية على قضية كليَّة


يجب الحذر والتحذير من منهج خاطىء منحرف في استنتاج الغاية، وتحديد المقصد؛ حيثُ يتمُّ الانتقال من مرتبة إلى أخرى فوقَها من غير حجة شرعية، ولا استقراء تامٍّ، ولا برهان عقليٍّ لازم، وإنما بالدعوى والتكلف والمبالغة، فتُعدُّ الغايةُ لحكم، أو مجموعة أحكام جزئية؛ غايةً للدين كلِّه، ثم يتمُّ تفسير النبوة والدين والعبادة والشريعة بتلك الغاية، من ذلك أن الشريعة أوجبت على المسلم عند إخلاله ببعض العبادات أعمالًا يتعدَّى نفعها إلى الغير، مثل كفارة اليمين في قوله تعالى: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (89)} [المائدة]، ومن الواضح أن هذا الحكم قد جاء في قضية جزئيَّة معيَّنة، ومع ذلك فقد استنتج منها الأستاذ علي عزت بيغوفيتش رحمه الله: «أن الأعمال الاجتماعية المفيدة في العالم الخارجي لها أولوية على الأعمال الروحية الخالصة، فالأخيرة تطبَّق فقط كبديل عندما يستحيل أداء الأولى، وفي هذه الآية كان الصيام بمثابة الندم، كفارة ودعاء بطلب المغفرة»([1]).

لا شكَّ أن هذا منهج في غاية الخطورة، وبالغ الأثر في تحريف جوهر الدين وحقيقته، فهو من أعظم أسباب الضلال عند أتباع الأديان، وكذلك أصحاب النظريات الفلسفية والمناهج الفكرية والاجتماعية والسياسية. يتضح هذا بذكر بعض الأمثلة:

1- لو نظرنا في تاريخ ظهور الشرك والوثنية بعد أن كان الناس جميعًا على دين التوحيد؛ لوجدنا أن أهم أسباب الانحراف يتمثل في الانتقال من وقائع ومفاهيم جزئية إلى تصورات كلية، ثم بناء الاعتقاد عليها، فإن ابتداء الشرك كان بالغلو في الصالحين، كما حصل في القوم الذين بُعث فيهم نوحٌ صلى الله عليه وسلم بعد أن دخل عليهم الشرك بغلوهم في صالحيهم: {وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا} [نوح]، قال ابن عباس رضي الله عنهما: هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوحٍ، فلمَّا هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم: أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابًا، وسموها بأسمائهم! ففعلوا، فلم تُعبد، حتى إذا هلك أولئك وتنَسَّخَ العلمُ عُبدتْ([2]).

لا شكَّ أن للأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين مكانةً خاصةً، ومنزلةً عاليةً عند الله تعالى، وأنه سبحانه اختصَّهم بالتفضيل والتكريم والقبول، وربَّما ظهرت الخوارق على أيديهم؛ كما في آيات الأنبياء، وكرامات الأولياء، لكن هذه الفضائل والمحاسن - كلُّها - أمورٌ جزئية، ليس من العقل في شيء الانتقال منها إلى قضية كلية؛ وهي الاعتقاد فيهم بالربوبية، أو التوجُّه إليهم بالتذلل والعبودية، لهذا كان من منهج القرآن إلزام المشركين بالضرورة العقلية في نفي استحقاق الأصنام والأوثان للعبادة لانتفاء الخصائص والصفات الكلية عنها، تلك التي تكون بموجبها استحقاق العبادة؛ كالربوبية والخلق والتدبير والعلم والسمع والبصر، فقال تعالى مخبرًا عن إبراهيم صلى الله عليه وسلم: {إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ (70) قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ (71) قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (72) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ (73) قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (74)} [الشعراء]، وجوابهم هذا دالٌّ على اعترافهم - ضمنيًّا - بانتفاء تلك الصفات الكلية، واحتجوا بقضية جزئية وهي تقليد الآباء، رغم أنه تقليد باطل لمخالفته للشرع والفطرة والعقل والواقع.

الأمر نفسه ينطبق على الظواهر الكونية، والمخلوقات العجيبة، التي يفتن بعض الناس بها، فيتجهون إلى تقديسها وعبادتها والاعتقاد بها بالنفع والضر، وقد نبَّه النبيُّ صلى الله عليه وسلم إلى هذا في حادثة موت ابنه إبراهيم، فقال صلى الله عليه وسلم: «إنَّ الشمسَ والقمرَ لا يُخسفان لموت أحدٍ ولا لحياته، ولكنَّهما آيتان من آيات الله، فإذا رأيتموها فصلُّوا»([3]).

2- وفي التحريف الذي دخل على النصرانية تحوَّلت قضية ولادة عيسى صلى الله عليه وسلم واعتقاد صَلْبه إلى مفهوم كليٍّ يفسَّر من خلاله غاية الخلق وحقيقة الدين والعبادة والمصير، فظهرت عقيدة التثليث نظرية الخطيئة والفداء والخلاص.

إن الصفة الخارقة لولادة عيسى ابن مريم قضيةٌ جزئيةٌ، وواقعةٌ ممكنةٌ بإرادة الله تعالى ومشيئته، كما قال تعالى: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (59)} [آل عمران]؛ فلا يجوز أن تُبنى عليها مفاهيم كلية حول الربوبية والألوهية وسرِّ الوجود. أما «الصَّلب» فأمر ممكن الوقوع - أيضًا - في حقِّ الأنبياء والمرسلين، وقد أخبر الله تعالى أن بعض الأنبياء قد قُتلوا([4])، وقال سبحانه: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِينْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (144)} [آل عمران]، فلو فُرض أن المسيحَ عليه السلام قد صُلب فعلًا؛ فليس في هذه الواقعة الجزئية ما يصلح أن يكون تفسيرًا لغاية الوجود والدين والعبادة، فكيف والواقعة في أصلها كانت موضع غموض واشتباه، ثم جاء القرآن الكريم بالخبر اليقين في نفيها: {وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (157) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (158)} [النساء] ([5]).

3- هذا المسلك الضَّال في جعل القضية الجزئية قضية كلية حاكمة على المفاهيم العامة؛ نجده عند الطبيب والفيلسوف النفسي سيغموند فُرُويد النمساوي اليهودي (1856-1939م)، الذي يُعدُّ مؤسسًا لعلم التحليل النفسي، وقد بنى نظريته النفسية، ورؤيته للشخصية الإنسانية على تضخيم جانب الغريزة الجنسية، بحيث أعطى لهذه الغريزة مكانة مركزية في الحياة النفسية الفردية والجماعية، ومدلولًا أوسع بكثير ممَّا عرفه العقلاء والأسوياء، فذهب يفسِّر السلوك الإنساني والعوامل المؤثرة فيه وظواهره وغاياته بحاكمية «الجنس»، ولم يسلم من غلوِّه حتى الطفلُ في براءته، فأخذ يفسِّر سلوكه وعلاقته بوالديه في ضوء الرغبة الجنسية وانعكاساتها، وهكذا فسَّر الدين وحقائقه، والأحلام ورموزها([6]).

إنَّ «الجنس» - وهو التعبير العصري لشهوة الفَرْج - له أهميته وتأثيره في سلوك الإنسان، لهذا لم تغفل الشريعة أمر هذه الغريزة، فجاءت بتنظيم العلاقات القائمة عليها، وضبط نوازعها، وكبح جماحها، حتَّى إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فيها: «مَن يَضمن لي ما بين لَحْيَيْه، وما بين رِجْلَيه؛ أضمنُ له الجنَّةَ»([7]). ورغم هذا: فإن تفسير السلوك الإنساني كلِّه بهذه الغريزة غلوٌّ فاحشٌ، بل مرض نفسيٌّ، وضربٌ من الجنون، ولعل فرويد كان يعبِّر عن مرضه وجنونه عندما قال-ـ عن حصيلة عمره العلمية والفكرية -: «ولعلَّ بعضَهم يسألني عن مدى اقتناعي بصحة الفروض التي قدَّمتها هنا، وجوابي على هذا: أني أنا نفسي غير مقتنع بها! ولا أطلب من الآخرين أن يؤمنوا بها! وبعبارة أفضل: فإني لا أعرف مدى إيماني بها!»([8])

4- إذا كان فرويد قد أخذ عاملًا من العوامل المؤثرة في سلوك الفرد فجعله معيارًا له، وحاكمًا عليه؛ فقد سبقه فيلسوف آخر، من أصل يهوديٍّ- أيضًا - إلى أخذ جزئية في السلوك الاجتماعي والمدني، فجعله معيارًا للاجتماع الإنساني كلِّه، وحكم به على الأديان والأخلاق ونظم المجتمعات وتقاليدها. ذلكم هو الفيلسوف الألماني اليهودي كارل ماركس (1818-1883م)، صاحب نظرية تفسير التاريخ، وهو ما نتناوله بشيء من التفصيل في مقالة أخرى بإذن الله نظراً لأهميته.             

الهوامش:

([1]) «الإسلام بين الشرق والغرب»، ترجمة: محمد يوسف عدس، مؤسسة بافاريا، ألمانيا: 1997، 302. وستكون لي - إن شاء الله - عودة لدراسة تفسير الإسلام عند علي عزت بيجوفيتش، فإنه ينحو في ذلك منحًى فلسفيًّا، امتزجت فيه ثقافته الغربية وتأثره بالفكر الإسلامي الحركي.

لقد تلقَّف الكاتب والمفكر التركي الشهير إحسان أَلِي أَﭼيكْ İhsan Eliaçık هذه الفكرة، وتتبع لذلك كثيرًا من الأحكام الجزئية في القرآن ليزعم بذلك أن غاية العبادة المنفعة الاجتماعية، في مغالطة واضحة منه لتدعيم توجهاته اليسارية. وله في التركية كتاب: «الإسلام الاجتماعي»:

"Sosyal İslam: Dinin Direği Paylaşımdır" Tekin Yayinevi, Istanbul, 3. Basim, 2015.

([2]) أخرجه البخاري (4920). وقوله: «هلك أولئك»: مات الذين نصبوا الأنصاب وكانوا يعلمون لماذا نصبت. «تنسَّخ العلم» وفي بعض نسخ «الصحيح»: «نُسخ العلمُ»: زالت معرفة الناس بأصل نصبها.

([3]) أخرجه البخاري (1042)، ومسلم (914) من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما.

([4]) سورة آل عمران: (146)، (181)، وسورة النساء: (155).

([5])  انظر: «الجواب الصحيح لمن بدَّل دين المسيح» لابن تيمية، 2/302-304. 

([6]) راجع: «فكر فرويد» لإدغار بيش، ترجمة: جوزف عبد الله، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر، بيروت: 1993م، ص: 56 وما بعدها. «في التفسير: محاولة في فرويد» لبول ريكور، ترجمة: وجيه أسعد، أطلس للنشر، دمشق: 1965، ص: 441 وما بعدها. «الأحلام والجنس: نظرياتها عند فرويد» لجوزيف كاسترو (1863-1944)، ترجمة: فوزي الشتوي، دار الكتاب المصري، القاهرة، د. ت.: 74، 94. وانظر عن فرويد: «الموسوعة الفلسفية» للدكتور عبد الرحمن بدوي، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت: 1984م، 2/122-125، «المعجم الموسوعي في علم النفس» لنوربير سيلامي، ترجمة: وجيه أسعد، وزارة الثقافة، دمشق: 2001، 5/1977-1979.

([7]) أخرجه البخاري (6474) من حديث سهل بن سعد رضي الله عنه.

([8]) ختم جوزيف كاسترو بهذا النقل عن فرويد كتابه: «الأحلام والجنس: نظرياتها عند فرويد».

جميع الحقوق محفوظة لدى موقع دراسات تفسير الإسلام ©
تنفيذ مؤسسة المفهرس لتقنية المعلومات