مراتب تفسير الدِّين واشتمال القرآن والسنة عليها


يمكن تقسيم تفسير الدين إلى ثلاثة أنواع أو مراتب:

الأول: التفسير العام أو الكلِّي: وهو تفسير المقصود العام، والمعنى الكليِّ الجامع للوحي والنبوة والرسالة والدين والشريعة، والغاية منها. وهذا النوع أعلى الأنواع مرتبة وأهمية، وأبعدها أثرًا في الاعتقاد والعمل لتعلقه بتصور أصل الدين وجوهره ولبِّه، فالانحراف فيه انحراف جذريٌّ في فهم الإسلام.

الثاني: التفسير الخاص: وهو تفسير باب من أبواب الديانة أو قسم من أقسامه، مثل تفسير العبادات، أو تفسير المعاملات، أو تفسير الحدود والعقوبات، باعتبار كل قسم مشتملًا على أحكام مشتركة في ماهيتها ومقاصدها وآثارها.

الثالث: التفسير الجزئي: وهو تفسير حكم معيَّن من أحكام الشريعة، مثل الكلام على المقصد من عبادة معينة - كالصلاة أو الصيام -، أو معاملة معينة - مثل النهي عن الربا -، أو  حدٍّ أو عقوبة معينة - مثل: القصاص في القتل ـ([1]).

ومن نظر في نصوص الكتاب والسنة، وفي تقريرات العلماء؛ يجدها مشتملة على هذه الأنواع من التفسير، كما سيأتي بيانه.

 اشتمال القرآن والسنة على مراتب تفسير الدين:

نزَّه الله تعالى نفسه المقدَّسة أن يكون إيجاده لهذا العالم من غير معنًى شريف، وغايةٍ مقصودةٍ؛ فقال سبحانه: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (115) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (116)} [المؤمنون]، وقال تعالى: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (38) مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (39)} [الدخان]، ولبيان تلك الغاية أرسل الله الرسل، وأنزل الكتب، ووضع الأحكام والشرائع، لهذا لمَّا نفى ربُّنا سبحانه أن يكون خَلْقُهُ لغير غايةٍ؛ أعقب ذلك بالامتنان بإنزال الكتاب؛ فقال سبحانه: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (27) أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ (28) كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (29)} [ص]، فلا جَرَمَ أن يتضمَّن القرآنُ الكريم تفسيرًا صريحًا واضحًا لدين الإسلام؛ إما بالبيان المباشر كما في قوله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56]، وقوله: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} [البينة: 5]، وإما ببيان مراتب أحكامه وما يترتب عليها من الثواب والعقاب، وما يتعلق بها من أعمال ونتائج وآثار - كما سيأتي شرحه -، فلم يجعل الله تعالى الحكمةَ المقصودةَ من الخَلْق والدين والعبادة والشريعة قضية مجهولة، ولا موضع غموضٍ وإشكالٍ يزيدُ الإنسان حيرةً وجهالةً واضطرابًا في هذه الحياة الدُّنيا، بل بيَّن أنَّ الغايةَ: عبادةُ الله وحده وطاعتُه بصدق التوجُّه وإخلاص النية، واتباعُ شريعته، وابتغاءُ مرضاته، والعملُ للآخرة؛ طمعًا في ثوابه، وخوفًا من عقابه.

فهذا ما يتعلَّق بتفسير الدين بالمرتبة الأولى، وهي التفسير العامُّ الكليُّ، أما تفسيره بالمرتبة الثانية والثالثة؛ فقد اشتملت أدلة الكتاب والسنة عليه، وقد ذكرنا بعض الأمثلة عليه عند كلامنا على أساليب الخطاب.

الهوامش:

([1]) قارن بما ذكره: محمد الطاهر بن عاشور في «مقاصد الشريعة الإسلامية»، دار النفائس، بيروت: 1421، ص: 189، 249، 411، ونعمان جغيم في «طرق الكشف عن مقاصد الشارع»، دار النفائس، بيروت: 2002م، ص 26. وهاهنا مباحث أصولية لم نتطرق إليها في هذا المختصر.

جميع الحقوق محفوظة لدى موقع دراسات تفسير الإسلام ©
تنفيذ مؤسسة المفهرس لتقنية المعلومات