أساليب الخطاب الثلاثة واشتمال القرآن والسنة عليها


يتجلى المقصود بتفسير الدين من خلال التمييز بين أنواع التصورات والأحكام والتقريرات في تناول الموضوعات وعرضها، حيث أنها تنقسم إلى ثلاثة أساليب([1]):

الأسلوب الأول: الحكم على المسألة المعينة، كأن نقول عن اعتقاد أو قول أو عمل: هذا صحيح أو باطل، حلال أو حرام، فرض أو واجب أو مستحب. فهذا «حكم» على قضية معيَّنة، وهو في الشريعة وظيفة الفقيه والمفتي والقاضي، إذ يبيِّن هؤلاء حكم المسألة الجزئيَّة، بغضِّ النظر عن منزلتها وأهميتها والغاية منها.

الأسلوب الثاني: الخطاب الوعظي الذي يقصد به تحريك المشاعر والأحاسيس، والترغيب في الخير، والترهيب من الشرِّ، وهذا الأسلوب يعتمد على البلاغة والبيان والحماسة، وليس غرضه بيان الحكم.

الأسلوب الثالث: هو الذي يمكن أن نسميه: «الأسلوب التفسيري»، وهو أسلوب لا يقصد منه بيان حكم مسألة معينة، ولا الكلام عنها بالوعظ والإرشاد - وإن كان يتضمن شيئًا من هذا وذاك-، ولكنه ينظر أساسًا إلى الأحكام والقضايا والمسائل بنظرة كليَّة، فيبيِّن ماهيتها، وحقيقتها، ويصنع لدى المتلقِّي نظرةً كليَّةً عن مقاصدها وغاياتها.

لنضرب مثالًا شرعيًّا على «التفسير» وَفق هذه الأقسام، ولنجعله عن الأركان الأربعة: الصلاة، والزكاة، والصيام، والحجِّ:

فإذا كان كلامنا عنها بالأسلوب الأول ـ أي: بيان الحكم الشرعي ـ فإنه لن يعدو بيانَ حكم هذه الأركان في نفسها، أو الأحكام المتعلقة بفعلها من حيثُ الفرائضُ والأركانُ والواجبات والسنن.

وإذا كان كلامنا عنها بالأسلوب الثاني، وهو الوعظ والتذكير، فإننا سنتكلم عن أهمية هذه الأركان، وفضلها ومنزلتها، والترغيب في فعلها، والترهيب من تركها، ونذكر في ذلك الآيات والأحاديث والآثار ونصائح الأئمة وأخبار الصالحين.

فالكلام عن هذه الأركان بالطريقة الأولى هو وظيفة الفقيه والمفتي، والكلام عنها بالطريقة الثانية هو مسلك الوعَّاظ والخطباء والدُّعاة. ولا شكَّ أنَّ كلام كل طائفة قد يتضمن شيئًا من أسلوب الطائفة الأخرى، أما الكلام على هذه الأركان بالأسلوب الثالث، وهو ما سمَّيناه: «التفسير»، فمختلفٌ تمامًا، حيث لا يراد به بيان الحكم، ولا الموعظة والتذكير، وإنما تكوين تصوُّرٍ كليٍّ عن الغايات والمقاصد التي من أجلها شُرعت هذه الأركان، وبناءً على هذا «التصوُّر الكليِّ» يكون «التصديق» - أي: الاعتقاد - الذي هو موجِّه الإرادة والنيَّة، وقاعدة العمل والتصرف والسلوك. ومن هنا فإن أيَّ انحراف في هذا «التفسير» سيؤدي حتمًا إلى انحرافٍ في الإرادة والقصد والنيَّة والاعتقاد، وفي القول والعمل والسلوك.

تجدر الإشارة - هنا - إلى أن مستخدمي هذا الأسلوب الثالث يلجؤون في أحوال كثيرة - بل في أكثر الأحوال - إلى توظيف الأسلوبين الأوَّلَيْن بحيث يكونان وسيلةً وأداةً لترسيخ مفاهيم وتقريرات الأسلوب الثالث.

 

 اشتمال القرآن والسنة على أساليب الخطاب الثلاثة:

لقد اشتمل القرآن العظيم على أساليب الخطاب الثلاثة كلها، إما مفردة، بحيث تكون الآية مقتصرة على بيان الحكم، أو على الترغيب والترهيب، أو على بيان الغاية والمقصد. وإما بالجمع بين هذه الأساليب كلها، ومزجها مزجًا حكيمًا، تهدي العقول، وتصلح النفوس، بتوازن واعتدال. وهذا المزجُ بينها هو الغالب على منهج القرآن القويم في بيان أكثر الأحكام كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} [يونس: 57].

ولنضرب لهذا بعض الأمثلة:

1- قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 183-184]؛ فتضمنت هذه الآية: بيان الحكم الشرعي: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ}، والموعظة والتذكير: {فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ}، وبيان الغاية من التشريع: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}. وفي السنة أحاديث مشتملة على هذه المعاني، منها قولُه صلى الله عليه وسلم – في فضل الصيام والمقصود منه -: «كلُّ عمل ابن آدم يضاعف، الحسنةُ عشر أمثالها إلى سبع مئةِ ضعف، قال الله عزَّ وجلَّ: إلا الصومَ، فإنه لي، وأنا أجزي به، يدَعُ شهوتَه وطعامَه من أجلي»([2]).

2- وفي قوله تعالى لموسى عليه الصلاة والسلام: {إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (14)} [طه]؛ بيان للحكم الشرعي بالأمر بعبادته وإقامة الصلاة، وبيان لغاية الصلاة، وهي: ذكر الله تعالى([3]).

3- وقال تعالى في المساجد والغاية من عمارتها: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (114)} [البقرة]، وقال: {وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا} [الحج: 40]، وقال: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا} [الجن: 18]، وقال رسول الله صلى الله عيله وسلم: «إنَّ هذه المساجد لا تصلح لشيءٍ من هذا البول ولا القَذَر، إنَّما هي لذكر الله عزَّ وجلَّ، والصلاةِ، وقراءة القرآن»([4]).

4- وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (178) وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (179)} [البقرة]؛ فبيَّن سبحانه الشريعة التي وضعها لهم، وفرضها عليهم، وبيَّن علَّتها؛ بأن فيها حفاظًا على النفوس وحمايةً لها، ذلك أنَّ القاصدَ للقتل إذا عَلِم أنه إذا قَتل يُقتل؛ يمتنع عن القتل، فيكون فيه بقاؤُه وبقاء من همَّ بقتله، وقيل في المثل: القتلُ أنفَى للقتل([5]).

الهوامش:

 

([1]) استفدت أصلَ فكرة هذا التقسيم مما ذكره وحيد الدين خان في «التفسير السياسي للدين» 125.

([2]) أخرجه مسلم في «الصحيح» (1151) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

([3]) هذا على القول الراحج في تفسير الآية، وهو قول مجاهد بن جبر المكي رحمه الله، واختاره ابن جرير الطبري في «تفسيره» 1/284.

([4]) أخرجه مسلم في «الصحيح» (285) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.

([5]) «معالم التنزيل» للبغوي 1/210.

جميع الحقوق محفوظة لدى موقع دراسات تفسير الإسلام ©
تنفيذ مؤسسة المفهرس لتقنية المعلومات