تفسير الإسلام مصطلحات ودلالات


1- مصطلح التفسير:

التفسير ـ في اللغة ـ على وزن تَفْعيل، من: «الفَسْر»، ومعاني هذه اللفظة تدور على الكشف، والبيان، والإظهار، والإيضاح، ومنه قوله تعالى: {وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا} [الفرقان: 33] أي بيانًا وتفصيلًا([1]).

لا يخرج معنى «التفسير» في اصطلاح علماء الشريعة عن معناه اللغوي، فمنه سُمِّي العِلمُ المختصُّ بكشف معاني القرآن، وبيان المراد منه بـ: «علم التفسير»([2])، فتفسير القرآن؛ إما أن يُستعمل في غريب الألفاظ، نحو: «البحيرة، والسائبة، والوصيلة»، أو في وجيزٍ يتبيَّن بشرحٍ، نحو: {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة} [البقرة: 43]، وإما في كلام متضمِّنٍ لقصةٍ لا يمكنُ تصويره إلا بمعرفتها، كقوله: {إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ} [التوبة: 37]، وقوله: {وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ من ظهورها} [البقرة: 189]([3]).

يتبيَّن لنا بهذا أن «التفسير» كشف وإبانة عن معنًى معيَّن؛ إِمَّا عن لفظٍ، أو جملةٍ أو جُمَلٍ ـ قصيرة أو طويلة ـ تتضمَّن معاني ودلالات تحتاج إلى بيان وتوضيح، فهذا هو الاستعمال الشائع لهذا اللفظ، وهاهنا معنى آخر؛ وهو بيان المفهوم الكلي والمقصد الرئيس من مجموع تلك المعاني والدلالات التي تتضمنها تلك الألفاظ والجمل.

إن «المفسِّر» يبدأ ببيان معنى اللفظ المفرَد، ثم ينتقل لدلالته في سياق الجُملة، ثم يربط بينها وبين ما سبقتها ولحقتها من الجُمَل، ويستعين في ذلك بعلوم ومعارف من خارجها، فتتجلى له ما فيها من الأخبار والأحكام، وقد يقفُ عند هذا الحدِّ، وقد يترقَّى درجة أخرى؛ فيُمعن النظر في المعاني الكلية لتلك الأخبار والأحكام، ويجتهد في إدراك مراتبها وأهميتها، وما بينها من وجوه الاتفاق والافتراق، فينفذُ بذلك إلى معرفة العلل والحكم، والغايات والمقاصد، والمعاني الكلية الجامعة.

إننا نقصد بمصطلح «تفسير الإسلام»، أو «تفسير الدين»، أو «تفسير العبادة»؛ هذا المفهوم الكليَّ لجملة الوحي والرسالة والنبوة والدين والشريعة والعبادة والآخرة، فليس المقصود به تفسير آية، أو شرح حديث، أو بيان حكم معيَّن، وإنما المقصود معرفة العِلَلِ والحِكَم والمقاصد والغايات إما للدِّين كلِّه - وهذه المعرفة تتكوَّن من مجموع العقائد والعبادات والمعاملات والأخلاق المتقرِّرة بأدلة الكتاب والسنة التفصيلية، كما سيأتي شرحه -، وإما لباب من أبوابه، وإما لحكم من أحكامه.

في ضوء ما تقدَّم نستطيع تعريف مصطلح «تفسير الإسلام» بأنه: الشَّرح والتوضيح والتَّجلية والبيان لحقيقة دين الإسلام من حيثُ: غاياته، ومقاصده، ومعانيه الكليَّة الجامعة، التي تكوِّن نظريَّةً عقيديَّةً متكاملةً، ورؤيةً فكريةً مُتَّسقةً حول مفاهيم: الدِّين، والعبادة، والشَّريعة، والأخلاق، والسُّلوك، والغاية من الخلق، وعلاقة الدِّين بالسِّياسة والاجتماع وحركة التَّاريخ والنَّاس، ومرتبة إقامة الدَّولة وإصلاح المجتمع بين أحكام الدِّيانة.

              

2- مصطلحات ذات صلة:

ثمة عدَّة مصطلحات مترادفة أو قريبة المعنى لمصطلح: «تفسير الإسلام»، مثل: فلسفة الدين، وحكمة التشريع، وعلل الأحكام، ومقاصد الشريعة، ومحاسن الإسلام، وفائدة التكليف أو منفعته، والغاية من الخَلْق والدِّين، وغير ذلك من الألفاظ التي جرت على ألسنة العلماء والمفكرين عبر العصور. ونكتفي هنا بالتعريف بأهمِّها:

1، 2- حكمة التشريع وعلل الأحكام:

يقول ابن فارس (ت: 395) في مادة «حكم»: «الحاء والكاف والميم أصل واحد، وهو المنع. وأول ذلك: الحكم، وهو المنع من الظلم. وسميتْ حَكَمَة الدابة لأنها تمنعها، يقال: حكمت الدابة وأحكمتها. ويقال: حكمت السفيه وأحكمته، إذا أخذت على يديه. قال جريرٌ :

أبَني حَنيفةَ أحْكِمُوا سُفهاءَكم             إنِّي أخافُ عليكم أنْ أَغضَبا

 والحكمة هذا قياسها، لأنها تمنع من الجهل. وتقول: حكمت فلانًا تحكيمًا منعته عما يريد»([4]).

هذا أصل اشتقاق «الحكمة»، وقد وردت في مواضع كثيرة في القرآن والسنة، ولها معان عديدة بحسب استعمالها، والمقصود بها في بحثنا هذا ما عليه اصطلاح الأصوليين، وقد عرَّفوا الحكمة بأنها: «المقصود من شرع الحكم»([5])، وهي: «الداعي ـ في الحقيقة ـ إلى شرع الحكم»([6])، وقد يعبَّر عنها بلفظ: «المصلحة»([7])، وتحقيقها هي: «غايةُ الحُكم المطلوبةُ بشَرْعِه، كحفظ الأنفس والأموال بشرع القَوَد والقطع»([8]).

نعلم بهذا أن المقصود بالبحث في «حكمة الدين»، أو «حكمة التشريع»؛ معرفة الأسباب والعلل الباعثة على وضع التشريع، والمقاصد التي يراد بلوغها وتحقيقها. وهذا البحث قد يكون بالنظر إلى «الدين» كله، باعتباره نظامًا كليًّا جامعًا، أو بالنظر إلى الأحكام التفصيلية له، سواء في باب العبادات أو باب المعاملات.

أما العلَّة فهي مرادفة ـ هنا ـ للحكمة، فهي في اللغة: السبب، يقال: هذا علَّة لهذا، أي: سبب له. لهذا قال الآمديُّ (ت :631) : «العلة في الأصل بمعنى الباعث، أي مشتملة على حكمة صالحة أن تكون مقصودة للشارع من شرع الحكم»([9]). وقال الشاطبي ( ت :790) : «المراد بالعلة: الحكم والمصالح التي تعلقت بها الأوامر، أو الإباحة، والمفاسد التي تعلقت بها النواهي؛ فالمشقة علة في إباحة القصر والفطر في السفر، والسفر هو السبب الموضوع سببًا للإباحة، فعلى الجملة: العلة هي المصلحة نفسها أو المفسدة لا مظنتها، كانت ظاهرة أو غير ظاهرة، منضبطة أو غير منضبطة»([10]).

3- مقاصد الشريعة:

من معاني (القصد) في اللغة: الاعتماد والأَمُّ، وإتيان الشيء، والتوجُّه إليه. يقال: أقصدني إليه الأمر، وهو قصدُك وقصدَك، أي: تجاهك. ويقال: قصدته، وقصدت له، وقصدت إليه؛ بمعنًى. وقصدت قصده: نحوت نحوه([11]). وعلى هذا المعنى اصطلح العلماء في قولهم: «مقصود الشرع»، أو «مقاصد الشريعة»، فمرادهم ما في وضع الشريعة وأحكامها من معانٍ أراد الشارع الحكيم حصولها للعامل بها في الدنيا والآخرة.

قال ابن عاشور التونسي (ت: 1393): «مقاصد التشريع العامة: هي المعاني والحكم الملحوظة للشارع في جميع أحوال التشريع أو معظمها، بحيث لا تختصُّ ملاحظتها بالكون في نوع خاصٍّ من أحكام الشريعة. فيدخل في هذا: أوصاف الشريعة، وغايتها العامة، والمعاني التي لا يخلو التشريع عن ملاحظتها، ويدخل في هذا ـ أيضًا ـ معانٍ من الحكم ليست ملحوظة في سائر أنواع الأحكام، ولكنها ملحوظة في أنواع كثيرة منها»([12]).

ومن الواضح – هنا -  الترادف بين مصطلحي الحكمة والمقاصد، وكلاهما مستعمل في كلام العلماء المتقدمين، وتوسَّع المعاصرون في استعمال «مقاصد الشريعة»، وأكثروا من الحديث عنها، والكتابة فيها، وفيهم من لهم مفاهيم فاسدة، وغايات سيئة، يريدون بها إبطال النصوص، ونقض ثوابت الشريعة، وتغيير أحكامها، وتقرير أن المقصد الأعلى للشريعة إعمار الأرض وإقامة المجتمع الفاضل!

4- محاسن الإسلام:

محاسن جمعُ: الحُسْن، على غير قياسٍ، كأنَّه جمع محسن. والحُسْن معروف عند العقلاء، لهذا اكتفى أهل اللغة في تعريفه بقولهم: الحُسْنُ نقيض القبيح. والحَسَنَةُ: خلاف السيِّئة. والمَحاسِنُ: خلاف المساوئ. والحُسنَى: خلاف السُّوأَى([13]). ولا شكَّ أن كلَّ ما شرعه الله تعالى لعباده ورضيه دينًا لهم فصفته الحُسن والكمال والجمال والسلامة من القبح والنقص والعيب. والناس يتفاوتون في إدراك محاسن دين ربِّ العالمين بحسب إيمانهم ويقينهم، وعلمهم وفهمهم، لهذا كانت معرفة الحِكَم والمقاصد من أهم الأسباب لتجلية المحاسن، فالمتكلم في محاسن الإسلام أو الشريعة يحتاج ـ في الحقيقة ـ إلى الكلام المفصَّل في مقاصد الشريعة وغاياتها، لهذا كان البحث في «محاسن الإسلام» صورة من صور تفسير الإسلام وبيان مقاصده.

5- المذهبية الإسلامية:

أجدر من يعرِّف هذا المصطلح هو محسن عبد الحميد الذي كان أول من أبرزه، وألَّف لذلك كتابه: «المذهبية الإسلامية والتغيير الحضاري»، ابتدأه بتحديد المصطلح فقال: «ذهب عدد من الكتاب الإسلاميين في السنوات الأخيرة إلى استعمال «المذهبية» للدلالة على ما ذهب إليه الإسلام في أمور الكون وخالقه والحياة والإنسان، أي القضايا التي تتعلق بالكليات وليست الجزئيات. والحق أن هذه اللفظة - زيادة على أنها دالة على معناها لغة - يمكن أن تتحول إلى اصطلاح يحقق هدف الإسلاميين من إطلاقهم لفظ «الفكر الإسلامي» الذي رفضناه بالمعنى الذي استعمل فيه «الوحي» كتابًا وسنةً. ثم إنه يخصنا بلفظة تميزنا وتحول بيننا وبين استعمال كلمة «الأيديولوجية»([14]) الأجنبية بمعنى الأصول والكليات الإسلامية. وقد يقول قائل: لماذا لا نستعمل «العقيدة الإسلامية» للدلالة على المعنى الذي نريد، حتى نتخلص من المصطلحات الأخرى. نقول: إن «العقيدة الإسلامية» مصطلح مستعمل منذ القديم، يشمل الإلهيات والنبوات والمعاد والقضاء والقدر فقط، بينما نحن نريد مصطلحًا أشمل من هذا. فـ: «المذهبية الإسلامية» تشمل العقيدة الإسلامية، وتشمل غيرها من الكليات التي ارتضاها الإسلام في العالم المادي لضبط حركته، سواء في الحياة عمومًا أو في المجتمع، أو داخل عالم الإنسان من حيث هو فرد. وبما أن الإسلام قد حدَّد مواقفه التفصيلية من أصول القضايا الكبرى في الحياة والمجتمع والإنسان، فلا بدَّ أن نُضيف تلك التفصيلات على الأُصول العقائدية الأخرى، حتى تتأصل عندنا «المذهبية الإسلامية» بشمولها، كي تستطيع أن تواجه المذهبيات الأخرى، في كل ما تتعرض له من أصول أفكارها»([15]).

6، 7- الفكر الإسلامي، والتصور الإسلامي

شاع استعمال هذه المصطلحات في كتابات المعاصرين، وكثرت مؤلفاتهم فيها، وموضوعها عرض الإسلام وأحكامه ونُظُمه ومقاصده بأسلوب عصريٍّ، يمثِّلُ أمشاجًا من العلم والفقه والفكر والثقافة، يحاول التوفيق بين الميراث النبوي والمذاهب الفلسفية والفكرية القديمة والمعاصرة، وتقديم إجابات لمشكلات العصر وتحدياته.

لا توجد منهجيَّة علمية واضحة للكتابات في هذه المجالات، بل هي تخضع لـ: «فكر» و«تصور» و«ثقافة» أصحابها؛ فكلما كان الكاتب أرسخ في العلم الشرعي، وأكثر انضباطًا في فهم النصوص الشرعية والاستنباط منها؛ كان أقرب إلى الحقِّ وأبعد عن الخطإ والشذوذ([16])، والعكس صحيح، وهو الأغلب الأعمُّ، لأن أكثر الذين عُرفوا بالكتابة في هذا المجال بعيدون عن الالتزام بالمنهج الشرعي المنضبط - الذي التزمه المفسرون والفقهاء والمفتون والمجددون عبر العصور - إما لجهلهم بعلوم الكتاب والسنة، وإما لغلبة النزعات الفلسفية والفكرية والسياسية والحزبيَّة عليهم، ومعاناتهم من «عُقدة النقص» أمام الحضارة الغربية المعاصرة([17])، لهذا ظهرت في كتاباتهم تحريفات وتأويلات كثيرة للنصوص والأحكام، وآراء شاذَّة ومنكرة، هي نتاج طبيعي للإضافة في هذه المصطلحات، وهو ما انتبه إليه بعض المنتمين إلى هذه المدرسة الفكرية نفسها، فقال: «حاول كثير من الكتاب الإسلاميين أن يستعملوا «الفكر الإسلامي»، أو «الفكرة الإسلامية» بمعنى الإسلام. غير أن هـؤلاء - مع فضلهم - قد وقعوا في خطإٍ كبير، دون أن يتقصَّدوا ذلك. إذ كيف يمكن أن يكون الوحي الإلهي مظهرًا للفكر الإنساني؟ فالفكر إفراز عقليٌّ لإدراك ما حوله من وجود. وإذا كان هـذا المعنى: «الفكر الإسلامي» يصحُّ على ما أنتجه الفكر المسلم الذي ينطلق من الإسلام في مضامير الحياة كلها، فإنه أبدًا لا يجوز أن يُستعمل للدلالة على الوحي الإلهي للإسلام حتى لا يؤدي إلى الخلط بين الوحي والفكر. فالإسلام معصوم كله، بينما الفكر الإسلامي، ليس معصومًا ولا مقدَّسًا، يحتمل الخطأ والصواب والمراجعة في عصره وفي العصور التالية. وحاول بعض مفكري الإسلام أن يضع بدل «الفكر الإسلامي» مصطلح «التصور الإسلامي»؛ وهذا خطأ مثله. لأن التصور عملية فكرية محضة، تحتمل الصدق والكذب، كما هـو ثابت في علم المنطق([18])، فلا يمكن أن يستعمل التصور بمعنى كليَّات الوحي الإلهي، بل قد يستعمل بمعناه الثاني الذي يدل على أنه إفراز للعقل، وليس معصومًا ولا مقدسًا»([19]).

لهذا قال محمد بن صالح العثيمين: «إذا قيل: «الفكر الإسلامي» فهذا يعني أن الإسلام فكر، وإذا كان القائل بهذا التعبير يريد «فكر الرجل الإسلامي» فليقل: «فكر الرجل الإسلامي»، أو «المفكر الإسلامي»، وبدلًا من أن نقول: «الفكر الإسلامي» نقول: «الحكم الإسلامي» لأن الإسلام حكم، والقرآن الكريم إما خبر وإما حكم، كما قال تعالى: {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [الأنعام: 115]»([20]).

8- الثقافة الاسلامية:

أما «الثقافة» فهي في العربية من: «ثقف الشيء ثقفًا وثقافًا وثقوفةً: حذقه. ورجل ثقِفٌ وثقْفٌ وثقُفٌ: حاذِقٌ فهِمٌ، وأتبعوه فقالوا: ثقف لقف... وثقيف لقيف بيِّنُ الثقافة واللقافة. وهو غلام لقِنٌ ثقفٌ؛ أي ذو فطنة وذكاء، والمراد أنه ثابت المعرفة بما يحتاج إليه»([21])، وقال الزمخشريُّ: «ومن المجاز: أدَّبه وثقَّفه. ولولا تثقيفُك وتوقيفُك لما كنت شيئًا. وهل تهذَّبت وتثقَّفت إلَّا على يدك؟!»([22]).

وقد شاع في عصرنا استعمال هذه الكلمة بالمعنى الاصطلاحي المرادف في الترجمة للكلمة اللاتينية : Culture، «وهي بمعناها العام: اكتساب الحذق والفهم، وبمعناها الضيق: تنمية بعض الملكات العقلية، أو تسوية بعض الوظائف البدنية، ومنها تثقيف العقل، وتثقيف البدن، ومنها الثقافة الرياضية، والثقافة الأدبية، أو الفلسفية. والثقافة بمعناها الواسع إنارة الذهن، وتنمية الذوق والحس النقدي والحكم لدى الفرد والمجتمع بواسطة الاكتساب. ويستخدم مصطلح «الثقافة» للدلالة على مجموع المواقف والأعراف والتقاليد والمعتقدات والمفاهيم والقدرات والأفعال والصيغ الاجتماعية التي تمارسها الجماعات الإنسانية، وتشمل القيم التي تتناقلها الأجيال بواسطة التربية والاتصال الاجتماعي. ويعدُّ تايلور  E.Taylor  أول من قدم تعريفًا علميًّا للثقافة، في كتابه «الثقافة البدائية» (1871م)، - وإن كان المفهوم قد عرف قبل ذلك بكثير- فقد استخدم الثقافة مرادفًا للحضارة، إذ يقول: «الثقافة أو الحضارة هي هذا المجمل المتشابك المشتمل على المعرفة والمعتقدات والفنون والأدب والأخلاق والقانون والعرف، وكل القدرات والممارسات الأخرى التي يكتسبها الإنسان بوصفه عضوًا في مجتمع».»([23]).

لقد طرحت تعريفات كثيرة للثقافة دون أن يتحقق اتفاق حولها بين الباحثين، ويكفي القول أن هناك اتجاهين في تلك التعريفات: أحدهما: ينظر للثقافة على أنها تتكون من القيم والمعتقدات والمعايير والتفسيرات العقلية والرموز والأيديوجيات، وما شاكلها من المنتجات العقلية. أما الاتجاه الآخر: فيرى الثقافة على أنها تشير إلى النمط الكلي لحياة شعب ما، والعلاقات الشخصية بين أفراده، وكذلك توجهاتهم([24]).

كان مالك بن نبي (ت: 1393/1973) من أوائل الإسلاميِّين الذين تعرَّضوا لتعريف هذا المصطلح، حيث قال: «الثقافة تعرَّفُ بصورة عملية أنها: مجموعة من الصفات الخلقية والقيم الاجتماعية التي يلقاها الفرد منذ ولادته، كرأس مال أوليٍّ في الوسط الذي ولد فيه، والثقافة -  على هذا - هي المحيط الذي يشكل فيه الفرد طباعه وشخصيته. وهذا التعريف الشامل للثقافة هو الذي يحدِّد مفهومها، فهي المحيط الذي يعكس حضارة معينة، والذي يتحرك في نطاقه الإنسان المتحضر. وهكذا نرى أن هذا التعريف يضم بين دفتيه فلسفة الإنسان وفلسفة الجماعة، أي (معطيات) الإنسان، و(معطيات) المجتمع، مع أخذنا في الاعتبار ضرورة انسجام هذه المعطيات في كيان واحد، تحدثه عملية التركيب التي تجريها الشرارة الروحية عندما يؤذن فجر إحدى الحضارات»([25]).

هذه النبذة الموجزة عن «الثقافة» تدلُّنا على صلتها بقضية «تفسير الإسلام»، حيث اجتهد كثير من الكتاب الإسلاميين إلى أسلمة الثقافة من خلال إبراز «الثقافة الإسلامية» من حيث كونها مجموعة العلوم والمعارف والقيم المكونة لعقلية المسلم وشخصيته، والمميزة لخصائص المجتمع المسلم والأمة المسلمة. وفي هذا الإطار: يتم التعرُّض إلى تفسير حقائق الدين وغاياته ومقاصده.

9- فلسفة الدين:

«فلسفة الدين » Philosophy of religion  نوع من الفلسفة تعتمد العقلَ في بحث وتحليل المقدسات والمعتقدات والظواهر الدينية وتفسيرها، وقد ظهر هذا المصطلح في أوروبا نهاية القرن الثامن عشر الميلادي، وأصبح فرعًا من فروع الفلسفة في الدراسات الأكاديمية المعاصرة([26]).

«تتناول فلسفة الدين أسئلة تتعلق بإمكان معرفة وجود الله، ومعرفة صفاته، وكيفية تحديد العلاقة بين الله والعالم، وكيفية فهم صفات الله، والعلاقة بين وجوده وماهيته. كذلك تتناول فلسفة الدين أسئلة تتعلق بطبيعة الدين نفسه، وطبيعة اللغة الدينية. بالإضافة إلى أسئلة تتعلق بمعنى العبادة الدينية، ودور الإيمان فيها، وعلاقة الإيمان بالعقل»([27]). ومن هنا فإن من الموضوعات الأساسية لفلسفة الدين البحث في ماهية العبادات ووظيفتها، والغاية من التكليف والتشريع، وطبيعة العلاقة بين الاعتقاد والعمل والأخلاق والسلوك، والتغيير والإصلاح الاجتماعي والسياسي والاقتصادي.

فلسفة الدين هي التفكير الفلسفي في كل ما يتَّصل بالدين؛ شرحًا وتفسيرًا وبيانًا وتحليلًا، بنزعة عقلية فلسفية مستقلة - تكون في أكثر الأحوال إلحادية أو باطنية -، من دون أن تتكفل التقرير والتسويغ أو الدفاع أو الدعوة، فلا علاقة لفلسفة الدين بإيمان فيلسوف الدين والباحث والدارس في هذا الحقل أو عدم إيمانه، خلافًا لحال اللاهوتي في علم اللاهوت، والمتكلِّم في علم الكلام، فهما ينطلقان من قاعدة التقرير والدفاع عن القضايا الدينية التي يؤمنان بها([28]). يقول الفيلسوف البريطاني جون هيك (1922-2012م): «فلسفة الدين ليست وسيلة لتعليم الدين، وفي الحقيقة لا ضرورة لتناولها من منطلق ديني. من لا يؤمن بوجود الله، ومن لا يملك أي رأي حول وجوده من عدمه، ومن يؤمن بوجوده، جميعهم يستطيعون أن يتفلسفوا في الدين، وهو ما يحدث الآن بالفعل. إذن؛ فلسفة الدين ليست من فروع الإلهيات، أي التدوين الممنهج للعقائد الدينية، بل هي من فروع الفلسفة. تتكفل فلسفة الدين بدراسة المصطلحات والأنظمة العقائدية، وممارسات من قبيل: العبادة، والتأمُّل، والمراقبة التي تنبني هذه الأنظمة العقائدية عليها، وتنبثق منها»([29]).

يتبيَّن لنا بهذا؛ أن «فلسفة الدين» أوسع بكثير من «التفسير» المجرَّد للدِّين في إطار الدِّين نفسه، فليس غرضنا من «تفسير الدين» إلا الفهم الصحيح له، من منطلق الإيمان به، وتعظيم نصوصه، والتقيُّد بأحكامه، دون الخوض فيه بالفلسفات والآراء والظنون والأوهام. حسبنا أن نلتزم بلفظ: «التفسير» وهو تعبير إسلامي أصيل، ونطرح جانبًا «الفلسفة» بكل ما له من أصول فاسدة، ومنهجية مخالفة لمنهج التسليم للوحي والرسالة. مثل هذا التفريق لا يعبأ به الفكر الغربي؛ لهذا نجده يستخدم كلمة: interpretation ـ وهي تدلُّ على التفسير والتأويل والترجمة والتعليل ـ بما يرادف «الفلسفة»، حتى إن جون هيك قد سمَّى أحد أهم كتبه الفلسفية في تناول الدين بـ: «تفسير الدِّين»([30]).

 

الهوامش:

 

([1]) انظر: «جامع البيان في تأويل آي القرآن» 19/267، «معجم مقاييس اللغة» 4/504 (مادة: فسر)، «تاج العروس» 13/324 (مادة: فسر).

([2]) انظر: «الإتقان في علوم القرآن» 6/2263. وشاع في عُرف العلماء استعمال «التفسير» في بيان معاني القرآن، واستعمال «الشرح» في بيان معاني الأحاديث، ولا يمنعون من إطلاق لفظ «التفسير» على شرح الأحاديث، فقد سمَّى عددٌ من العلماء شروحهم لكتاب الإمام مالك بن أنس رحمه الله بـ: «تفسير الموطَّأ»، منهم: عبد الملك بن حبيب الأندلسي (ت: 238)، وأبو المطرِّف عبد الرحمن بن مروان القُنازعي القرطبي (ت: 413)، وأبو عبد الملك مروان بن علي البوني (ت: 440)، وغيرهم.

([3]) انظر: «الإتقان في علوم القرآن» 6/2263.

([4]) «معجم مقاييس اللغة»، تحقيق: عبد السلام هارون، دار الفكر: 1979م، 2/91.

([5]) قاله الآمدي في «الإحكام في أصول الأحكام» تحقيق: عبد الرزاق عفيفي، المكتب الإسلامي، بيروت، 3/203، 230.

([6]) «البحر المحيط» للزركشي (ت: 794)، دار الكتبي، 1414، 8/210.

([7]) «المحصول» للرازي (ت: 606)، تحقيق: طه العلواني، مؤسسة الرسالة، بيروت: 1418، 5/446، «نفائس الأصول في شرح المحصول» للقرافي (ت: 684)، مكتبة الباز، 1416، 9/3744، «نهاية السول شرح منهاج الوصول» للإسنوي (ت: 772)، دار الكتب العلمية، بيروت: 1420، 1/389.

([8]) «شرح مختصر الروضة» للطوفي (ت: 716)، تحقيق: عبد الله بن عبد المحسن التركي، مؤسسة الرسالة، بيروت: 1407، 3/386.

([9]) «الإحكام» 3/202. واختار المعلِّق عليه الشيخ عبد الرزاق عفيفي رحمه الله؛ أن يعبَّر عن (الباعث) في حقِّ الله بالمقصود من شرع الحكم، أدبًا مع الله تعالى.

([10]) «الموافقات» 1/410-411.

قلت: ويفرق الأصوليون في باب القياس بين العلة والحكمة، فالعلة هي الوصف الظاهر المنضبط المعرِّف للحكم، أما الحكمة فمقصود الحكم من جلب مصلحة أو دفع مفسدة، وقد تكون منضبطة، أو غير منضبطة، فعلة قصر الصلاة هي السفر، وهو أمر منضبط، أما حكمته فدفع المشقة، وهي غير منضبطة، لهذا كان مناط الحكم في القياس على العلة لا الحكمة.

([11]) «لسان العرب» لابن منظور (ت: 711)، دار صادر، بيروت: 1414، 3/353 (مادة: قصد).

([12]) «مقاصد الشريعة الإسلامية» للشيخ محمد الطاهر بن عاشور، الشركة التونسية للتوزيع، 1978، 51.

([13]) «تاج اللغة وصحاح العربية» للجوهري (ت: 393)، تحقيق: أحمد عبد الغفور عطار، دار العلم للملايين، بيروت: 1407، 5/2099.

([14]) انظر عن مصطلح  Ideology: «موسوعة لالاند الفلسفية» 2/611-612. وجاء في «معجم اللغة العربية المعاصرة» 1/143: أيديولوجيا: مذهب سياسيٌّ أو اجتماعيٌّ. [وفي الفسلفة]: علم الأفكار، وموضوع دراسته الأفكار والمعاني وخصائصها وقوانينها وأصولها، وعلاقاتها بالعلامات التي تعبّر عنها، والبحث عن أصولها بوجه خاصٍّ. وأيديولوجيَّة: مجموعة الآراء والأفكار والعقائد والفلسفات التي يؤمن بها شعب أو أمَّة أو حزب أو جماعة.

([15]) «المذهبية الإسلامية والتغيير الحضاري»، طبع في قطر ضمن سلسلة (كتاب الأمة)، العدد: (6)، رجب 1405/نيسان 1985، ص: 17-21.

والدكتور محسن عبد الحميد ولد في مدينة كركوك، العراق عام 1357/1937، تخرج في جامعة بغداد، كلية التربية عام 1380، حصل على الدكتوراه في التفسير من جامعة القاهرة عام 1392، وعمل أستاذًا لمادة التفسير والعقيدة والفكر الإسلامي الحديث في جامعة بغداد وفي جامعات عربية، وهو من قيادات الإخوان المسلمون الفكرية والتنظيمية في العراق، ومثَّل الحزب الإسلامي العراقي في مجلس الحكم الانتقالي بعد احتلال العراق سنة 2003م.

([16]) والفتنة بهذا الصنف أعظم وأخطر لأن حالهم تلتبس على كثير من الناس، وينخدع بهم البسطاء والعوام.

([17]) تظهر «عقدة النقص» في صورة القبول المشروط، أو الإعجاب والإنبهار بالحضارة الغربية، كما تظهر ـ أيضًا ـ في صورة الرفض المطلق والغلو في معاداتها فكرًا وثقافة وممارسة. وأصحاب هذا الاتجاه الأخير يصرون على تقديم «البديل الإسلامي» للمنافس «الغربي» من خلال صياغة ما يسمونه بالفكر الإسلامي أو النظام الإسلامي أو المذهبية الإسلامية.

([18]) العلم ـ عند المناطقة ـ قسمان: أحدهما: علم بذوات الأشياء، ويسمَّى تصورًا. والثاني: علم بنسبة تلك الذوات بعضها إلى بعضها بسلب أو إيجاب ويسمى تصديقًا. «معيار العلم» لأبي حامد الغزَّالي، تحقيق: د. سليمان دنيا، دار المعارف، القاهرة: 1961م، 265.

([19]) «المذهبية الإسلامية والتغيير الحضاري»، 18.

([20]) «مجموع فتاوى ورسائل فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين»، جمع وترتيب: فهد بن ناصر السليمان، دار الوطن، الرياض: 1413، 3/121، وانظر: «معجم المناهي اللفظية» لبكر بن عبد الله أبو زيد، دار العاصمة، الرياض: 1417، 360، 417.

([21]) «لسان العرب» لابن منظور، مادة: (ثقف).

([22]) «أساس البلاغة» دار الكتب العلمية، بيروت: 1419، 1/110.

([23]) «الموسوعة العربية» 7/307، مادة: (الثقافة). وقد أجريت على ترجمة كلام تايلور بعض التقويم استنادًا إلى ترجمة أخرى له في «نظرية الثقافة» لميشيل تومبسون وآخرين، ترجمة: د. علي سيد الصاوي، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت: 1997م، من التقديم: 9.

([24]) «نظرية الثقافة» 29.

([25]) «شروط النهضة» دار الفكر، دمشق: 2013م، 89-90. ولمالك بن نبي كتاب: «مشكلة الثقافة»، وفيه مناقشة وافية للمصطلح.

([26]) انظر: «مدخل إلى فلسفة الدين» للدكتور محمد عثمان الخشت، دار قباء، القاهرة: 2001م، ص 50.

([27]) «الموسوعة الفلسفية العربية» رئيس التحرير: د. معن زيادة، معهد الإنماء العربي، بيروت: 1988، 2/1000.

([28]) انظر: «تمهيد لدراسة فلسفة الدين» إعداد وتحرير: د. عبد الجبار الرفاعي، مركز دراسات فلسفة الدين، بغداد: 2014م، ص: 15.

([29]) «فلسفة الدين» لجون هيك، بواسطة الرفاعي في المصدر السابق: 16.

([30]) "An Interpretation of Religion Human Responses to the Transcendent"، by John H. Hick، Yale University Press; 2 edition، 2005.

جميع الحقوق محفوظة لدى موقع دراسات تفسير الإسلام ©
تنفيذ مؤسسة المفهرس لتقنية المعلومات