جهاد أنصار السنة المحمدية


جهاد أنصار السنة المحمدية

 

رد الشيخ محمد حامد الفقي (ت 1959) رحمه الله رئيس جماعة «أنصار السنة المحمدية» ومؤسس مجلة «الهدي النبوي» على الشيخ محمد أحمد عبد السلام الشقيري، في انتقاده لموقف «جماعة أنصار السنة» من مسألة الجهاد؛ حيث مكَّنت مجلة (النذير) الإخوانية، الشيخ الشقيري من لمز جماعة أنصار السنة، على صفحاتها؛ بما تظنه تخاذلًا، وتقاعسًا، فردَّ عليه الشيخ حامد الفقي رحمه الله بمقال عنوانه «جهاد أنصار السنة»، وقد نُشر في مجلة الهدي النبوي، السنة الثانية، في العدد الرابع والعشرين، ربيع أول، سنة: ١٣٥٨هـ، ص (٣٦-٣٨).

قال الشيخ محمد حامد الفقي:

«جهاد أنصار السنة المحمدية»

«نشرت زميلتنا (النذير)، لسان الإخوان المسلمين، مقالًا لأخينا الشيخ محمد أحمد عبد السلام، مؤسس الجمعية السلفية بالحوامدية، وُفِّقَ الشيخ فيه، في حضِّه على الجهاد، وكانت كلماته تفيض بالإخلاص، الذي انطوى عليه قلبه وحبَّذا ما قال الأستاذ، وحبَّذا لو امتلأت روح شبابنا ورجال الإسلام، بهذه الروح المتحمِّسة؛ غيرة على الإسلام، والمتحرِّقة لما ناله من معاول الهدم، التي سُلِّطت عليه من كلِّ جهة؛ ممن ينتسب إليه، ويتسمَّى باسمه.

غير أنَّنا نعتب على الأخ أنْ لَمَزَ جماعة أنصار السنة، لمزةً كانت تمرُّ في الهواء، لو أنَّها أتت من غير الأخ محمد عبد السلام، ممن لا يعرفون عن جماعة أنصار السنة ما يعرف من جهاد متواصل، وعملٍ حثيثٍ في إحياء سنة رسول الله ﷺ، ومحاربة البدع التي شوَّهت وجه الإسلام وقلَبت حقائقه الناصعة، إلى ظلماتٍ شركيَّة، وخرافات جاهلية.

والأخ خير من يعرف أنَّ الجهاد الذي حضَّ عليه القرآن، ودعا إليه الرسول ﷺ؛ الدعوة الصادقة ليس هو امتشاق الحسام في كلِّ وقتٍ، وخوض معامع الطعن والنزال في كلِّ حين. نعم: إنَّ ذلك الجهاد من أوجبِ ما يجبُ على المسلم أن يكون أبدًا على استعداد له؛ معدًّا عدَّته، ومهيئًا كلَّ أسباب الظفر للإسلام، على أعداء الله ورسوله.

ولكن متى يكون هذا؟ وممَّن يكون؟

هذا الذي يغيب معرفته، والعلم بحقيقته عن كثيرٍ من مُدَّعي الغيرة على الإسلام، والذين يُفسدون بجهلهم وغروهم أكثر مما يُصلحون.

إنَّ هذا الجهاد إنَّما يكون من أمة إسلامية؛ خلصها الإسلام الصحيح من شوائب الشرك والوثنية، ومن مخازي الجهل، والضعف، والذِّلَّة والاستكانة؛ فكانت بما أفادت من الإسلام الصحيح ـ علمًا، وعقيدةً؛ وخُلقًا، وحكمًا، ونظامًا ـ لبناتٍ صحيحةً، قويَّةً؛ تصلح كلَّ الصلاحية، لبناء جيشٍ إسلاميٍّ؛ لا يرتدُّ على أعقابه، ولا ينهزم عند اللقاء.

- ولكن! وتسعة وتسعون في المئة من الأمة، على هذه الجاهلية، في عِلمها، وعقيدتها، وخُلِقها، وحُكمها، ونظامها؛ قد ضرب الجهل على القلوب نطاقًا مظلمًا، أسود؛ حجب عنها كلَّ هدًى ونور.

- ولكن الأكثرية الساحقة، على ما يرى الشيخ ويعلَم؛ من ذلِّ القلوب للموتى، واستخذائها([1]) للأحجار والأشجار، واستكانتها، وخشوعِها للنصب والمقاصير، والقبور.

- ولكن والأكثرية على ما يعلم الشيخ، من إعراضها عن التحاكم في عقيدتها، وعبادتها، وماليتها، وشؤونها، إلى ما أنزله الله من الهدي، والذكر الحكيم.

- ولكن والأكثرية على ما يعهد الشيخ، من ذِلَّة وعبادة للأوروبي عدُوِّ الله، وعدُوِّ الإسلام!

- ولكن والأكثرية على ما يعرف الشيخ، من تحزُّب وتفرقة، وشتات بالطرق الصوفية والمذاهب التقليدية، وكلُّ حزبٍ بما لديهم فرحون، وعن حزبهم وحدَه يخاصمون؛ وله يتعصبون، وبشيخهم وحدَه يثقون؛ مهما كان مخالفًا للمعقول والمنقول، وفيه يعتقدون علم الغيب، وتصريف الأقدار؛ والإنجاء من النار والعذاب، وأهوال الدنيا والآخرة.

- لكن إذا كان كلُّ ذلك أيُّها الأخ الغيور على الإسلام، فهل الواجب أولًا: الجهاد العلمي؛ بالحجج والبراهين؛ وإنقاذ المتسمين بالمسلمين من هذه الأعداء، التي استعمرت القلوب، وملكت الأنفس، والأرواح؟، أو الجهاد لليهود والنصارى، بالسيف والمدفع،

والغازات السامة، والآلات المدمرة؟

ومن هو الذي يحمل السيف ويطلق المدفع؟ أولئك الأذلاء ممن أسلفنا وصف بعض حالهم؟

وهل في هؤلاء غناء؟ أو عندهم من الحمية للإسلام، ما يضمن لهم النصرَ من الله، أو من أنفسهم؟

لا أظنُّ الشيخ َمن أولئك المخدوعين بالغُثاء الكثير؛ ممن يتسمَّون بأسماء إسلامية، وهم بين من عُرف؛ ذلَّة للموتى، أو ذلَّة للغربي؛ لا يستطيع كلا الفريقين أن يرفع بصره لعدو الإسلام من اليهود والنصارى.

ألا وإنَّ جماعة أنصار السنة المحمدية، لتعلم العلم كله: حقَّ الجهاد؛ وشدَّة حاجة المسلمين إليه؛ وهي بحمد الله قائمة بنصيبها؛ على قدر استطاعتها من الجهاد؛ على سنن رسول الله ﷺ؛ الذي ما رفع سيفًا، ولا أشرع رمحًا إلى صدر عدوٍّ، إلا بعد أن طهَّر قلوب فئة عظيمة، وثلَّة كبيرة من عدوها الذي بين جنبيها؛ من شيطان الشركِ، والجهلِ، والخرافات، وبنى بهذه اللبنات النقية القوية؛ جيشه الذي آتاه الله النصر المؤيد، والظفر على كلِّ من لقي من أعداء الله ورسوله.

وأنَّ جماعة أنصار السنَّة المحمدية، قد جنت بحمد الله، ثمرات جهادها العلميِّ الموفق جمعًا كثيرًا، وجمًّا غفيرًا؛ ممن أصبح لا يعرف في علمه، وعقيدته وخلقه، وشأنه كله؛ إلا ربه، ونبيه ﷺ.

والشيخ أكثر الناس معرفةً بتلك الثمرات التي جنتها جماعة أنصار السنة من جهادها، الذي تستنُّ فيه بسنَّة إمام المجاهدين: سيدنا محمد ﷺ؛ فكان ذلك الجمُّ الغفير بمصر وغيرها من الأقطار الأخرى: مؤمنين موحدين سلفيين؛ بمعنى الكلمة، لا ادِّهان، ولا نفاق، ولا التواء، ولا مخادعة؛ يقولون كلمة الحقِّ صريحةً؛ لا يخافون فيها لومة لائمٍ.

وبعد: فإنَّا نشكر للأخ كلمته، ونهيب بالجماعات الإسلامية كلها، أن تعلنَ النفير العام، ونتضافر جميعًا على إعلان الحرب التي لا تعرف هوادة؛ على أنفسنا، وعلى الذين ظفر بهم شياطين الشرك والجهل، والطرق المفرقة، والسبل الملتوية التي أُلصقت بالإسلام، والتي استعمرت القلوب باسم الإسلام.

ولنجاهد أولًا أولئك؛ بصدقٍ، وإخلاصٍ، وشفقةٍ، ورحمةٍ، ولنعملْ على إشراب قلوبهم القرآن؛ بهدايته، وعلمه، وآدابه، والسنَّة المحمدية بحكمتها، وأخلاقها، ونورها.

فلئن تضافرنا جميعًا على ذلك، وصدَقنا النية في هذا الله، وشفقة على المسلمين: لأرانا الله العجب العُجاب من آياته وعزته، وأعاد للمسلمين مجدهم الغابر، وسلطانهم الذاهب.

ونسأل الله الهداية والتوفيق لنا، ولإخواننا الموحدين، إلى القيام بما أوجب الله علينا، في أنفسنا، وفي غيرنا من عباد الله».



([1]) أي: خضوعها وتذلُّلها.

جميع الحقوق محفوظة لدى موقع دراسات تفسير الإسلام ©