منهج العلامة محمود شاكر ومنهج الإخوان المسلمين


منهج العلامة محمود شاكر ومنهج الإخوان المسلمين

 

قال الأستاذ الكبير الدكتور محمد رشاد سالم (ت 1407) رحمه الله في كلمة ألقاها في بيت العلامة محمود شاكر (ت 1418) رحمه الله:

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى من اتبعه بإحسانٍ إلى يوم الدين.

أما بعد: فإنِّي في الواقع لم أكن معدًّا نفسي لهذا الموقف، وسأكتفي بكلمةٍ قصيرةٍ، لعلَّ مما ذكره أخي الأستاذ عبد الحميد البسيوني من كلام الأستاذ العقاد ما يجعلني أُنبِّه إلى هذه اللفتة من كلامه، وهو أنَّه نصح طالب فلسفة أو معيد فلسفة بأن يحضرَ مجالسَ الأستاذ محمود شاكر، فما أحسبُ أنَّ هذه اللفتة تخلو من معانٍ عميقةٍ، فإنَّ الأستاذ محمود شاكر ليس من أهل اللغة والشعر والأدب فقط؛ ولكنه يمتاز بأعظم شيءٍ عرفته فيه، وهو عمقُ الفهم، فإنَّ فهمه للمسائل فيه نفاذٌ، وفيه عمقٌ يتجاوز الظاهر، ويتجاوز الأمور السطحية...

وقد استفدتُّ منه كثيرًا في مجال الدراسات الإسلامية، وفي مجال الفلسفة وفي مجال تقويم الفكر، وفي مجال العمل والدعوة لهذا الدين ولعقيدته، ممَّا قد لا يتنبَّه إليه كثيرٌ من الناس، فالأستاذ محمود شاكر ـ كما قال الدكتور محمود الطناحي ـ حارب في ميادينَ كثيرةٍ، من هذه الميادين العمل والدعوة لهذا الدين، فجهاده في هذا المكان وفي هذا المقام قد لا يشعرُ به الناس، وقد لا يعرفونه، لكنَّه فيما أعرف هو من أعظم إنجازاته ومن أعظم أعماله...

فالأستاذ محمود شاكر كانت له نظراتٌ عميقةٌ في سَيْرِ الحركة الإسلامية، وفيما يجب أن يقدِمَ عليه ويتحلَّى به الشبان الذين يتحمَّسون للإسلام بالعاطفة فقط، ولا يريدون أن يجهدوا أنفسهم وأن يتحمَّلوا عبءَ الجهاد الحقيقي؛ جهاد الدين!

كنَّا مجموعة من الإخوان، وكنا في فورة الحماسة للعمل للإسلام، وتلقَّانا الأستاذ محمود بالترحاب كعادته، وكان يرجو فينا الخيرَ ويأمل منا الخير، ولكنه صُدم ببعضنا.

وكان هذا الاعتقال سنة (٦٥)، وأذكر أنَّي اعتقلتُ معه في يومٍ واحدٍ، وأُفرج عنَّا في يومٍ واحدٍ، بعد سنتين ونصف تقريبًا، وكان الأستاذ محمود محسوبًا على الإخوان، رغم اختلافه الواضح مع الإخوان في التفكير وفي المنهج، لكن في تلك الفترة اعتُقل كثيرٌ ممن كانوا لهم اتجاه إسلاميٌّ، رغم أنَّ كثيرًا منهم لم يكن من الإخوان.

لو أردتُّ أن ألخِّص باختصارٍ شديدٍ أهمَّ نقاط الخلاف دائمًا بين الأستاذ محمود، وبين تفكير الإخوان، لقلتُ: إنَّه حسب فهمي أنَّ الأستاذ محمود يرى أنَّ الإسلام لا يُخدم بمجرد الحماسة العاطفية الفارغة، ولا يُخدم بمجرد العمل الحزبي السياسي ـ على طريقة الأحزاب الغربية والأحزاب السياسية المحدثة ـ، ولكن الإسلام يجبُ أن نعمل له؛ لأنَّه حضارةٌ كاملةٌ شاملةٌ، لا بُدَّ أن يُقام له صرحٌ علميٌّ واجتماعي وفكري وحضاري، وأن يُجنِّد المئاتُ من الشباب أنفُسَهم للعمل لفهم هذا الدين فَهمًا صحيحًا، ولخدمته علميًّا وفكريًّا أولًا، وإذا اتَّضحت المفاهيم والأفكار في أذهان المسلمين يأتي بعد ذلك العمل.

فلا عملَ قبلَ العلمِ، ولا يمكن أن يستقيم العمل للإسلام بدون فهمٍ صحيح، وبدون فكرٍ صحيح.

أما الإخوان فكانت القضيَّةُ الشاغلةُ لهم: الدولةُ، والحرص على الحكمِ، بمفاهيم إسلامية عاطفية، بمجرد الحماسة الفارغة لكلمة الإسلام، وللرغبة المتعجلة في الحكم. أدَّى هذا إلى أن تصطدم الحكومات بالإخوان ويصطدم الإخوان بالحكومات، وأدَّى هذا إلى كوارث، وإلى مِحَنٍ أصابت أكثر شبابِ المسلمين في هذا البلد.

وقد كانت نظرةُ الأستاذ محمود صائبةً ولا شكَّ؛ لأنَّ من عباءة الإخوان خرجَ هؤلاء الشباب المتطرِّفون أمثال شباب «التكفير والهجرة» وغيرهم، وأدَّى ذلك إلى انحراف الكثير من الشبان في فهمهم للإسلام، لكن أظنُّ أنَّ التيار الواعي، والشباب الفاهم قد كَثُرَ بحمد الله، والاتجاه إلى الاهتمام بالعلمِ وبالفهم الإسلامي الصحيح زادَ مع مرور الأيام، ولا شكَّ أن هذا من حسنات الأستاذ محمود، التي قد يجهلها كثير من الناس، وهي محسوبة له عند الله ـ إن شاء الله ـ.

هذه كلمة مختصرة، وأنا ـ كما قلتُ ـ لست ممن يحسن الكلام، ولا ممن يحسن الكلمات المرتجلة، لكن الذي أسأل الله تعالى أن يمدَّ في عمر أستاذي، وأن يمتِّعه بالصحة والعافية، وأن يجعل في عقبه «فهر وزلفى» الخير والبركة إن شاء الله.

هذه لفتة قصيرة أو نظرة سريعة لجانبٍ قد يخفى على كثير من الناس من جوانب أستاذي وشيخي وصديقي الأستاذ محمود محمد شاكر.

والسلام عليكم.

 

المصدر: «ظل النديم»، أوراق وأسمار شيخ العربية أبي فهر محمود محمد شاكر رحمه الله التي لم تنشر من قبل، وجدان العلي، عالم الأدب، الطبعة الأولى، بيروت، 2016، (ص ٨٤ ـ ٨٥)


«أَتَى الأستاذ الأديب السوري الكبير عصام العطَّار إلى مصر، واصطحبه الأستاذ عبد العزيز كامل إلى دار شيخ العربية بعد مدَّةٍ من نزوله مصر، فتلقاه الأستاذ رحمه الله بكرمه وإخائه المعروفَيْن، ثم حانت منه التفاتةٌ سأل فيها ضيفَه العطَّار: منذ كم أنت في مصر؟!

قال: منذ شهر تقريبًا!

فجعل الأستاذ يبرق ويرعد ويعلو صوته قدحًا وثلبًا في الإخوان المسلمين، الذين كرهوا أن يزوره عصام، وعطَّلوا قدومه إلى بيته كل هذا الوقت، وفي عبد العزيز كامل، وصوته يعلو ويتقصف، ثم مرت ثوان وعاد إلى السكينة وفي عينيه بقايا دمعة..!».

المصدر: ظل النديم ص ٤٣



قال العلامة محمود شاكر (ت 1418) رحمه الله:

«الناس الذين يتصوَّرون أنَّ الحضارة فقط هي التكنولوجيا مخطئون... الحضارة تقوم على أُسسٍ أكبر من هذا؛ لأنَّ الحضارة نتاجٌ، والتكنولوجيا نتاج الثقافة، والثقافة انتماء، والانتماء إلى شيءٍ هو الدخول في أعماقه ومعرفته بتفاصيله الدقيقة.

أما الآن فالانتماء صوريٌّ مثلما يقول: «أنا مسلم الآن» ثم يذهب فيفتي في الدين، والآن عندنا مفتون كثيرون من الإخوان المسلمين ومن التكفير والهجرة، كلٌّ يفتي في الدين وهو جاهل، وليس عن علم مبني على معرفة.. لا.. إنما هو انتماء إلى شيء وهميٍّ.

المصدر: ظل النديم ص ٧٣

وقال علي عشماوي: «وكان الأستاذ محمود شاكر يقول لجماعة الإخوان: قبل أن تدخلوا إلى هذه الحجرة اخلعوا ما برؤوسكم من أفكار مع أحذيتكم خارج الباب». وأكثر من ذلك كان يقول: «اخلعوا ما في رؤوسكم من أفكار أخذتموها من حسن البنا، مع أحذيتكم عند باب الغرفة».

المصدر: «التاريخ السري لجماعة الإخوان المسلمين»، علي عشماوي، عضو التنظيم الخاص للإخوان المسلمين، ص: 224.



وقال محمود محمد الطناحي (ت: 1419) ـ في سياق دفاعه عن محمود شاكر، وجرى ذكر «الجماعات الإرهابية» ـ: «والذي لا تعرفه يا أستاذ سمير أن محمود شاكر كان من أكثر الناس بغضًا لهذه الجماعات التي أشرت إليها، بل إن مواقفه ضد الإِخوان المسلمين وكل الجماعات الإِسلامية، مواقف معروفة غاضبة ومستنكِرة، وكان يجهر بمواقفه هذه ولا يكتمها، وكذلك كان أخوه الأكبر محدث العصر الشيخ أحمد شاكر، ومقالته عقب اغتيال محمود فهمي النقراشي مشهورة، وكان قد سمَّاها: «الإيمانُ قَيْدُ الفتك»، ونشرها على الناس، بجريدة الأساس [2/1/1949]، فاقرؤوا التاريخ يا ناس!».

المصدر: مقال الطناحي: «‌‌محمود محمد شاكر والسِّهام الطائشة» في مجلة الجيل 1998، وهو في «مقالات الطناحي، صفحات في التراث والتراجم واللغة والأدب» دار البشائر الإسلامية، بيروت: 1422، 2/608. 

جميع الحقوق محفوظة لدى موقع دراسات تفسير الإسلام ©